الأحد، 1 فبراير 2015

عبدالله بن عمر المفترى عليه (6-6)


(6) على الحق حتى الموت
من أعظم الافتراءات على الحقيقة شيوعًا: الابتسار والاجتزاء؛ وذلك بأن يعمد المستدل إلى جزء من الحدَث أو الموقف فيورده في كلامه مستدلا به، دونما الإشارة إلى بقية أجزائه التي ربّما تقلب استدلاله ذاك عليه، وهذا ما حدث مع عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، فلو أن المفترين نظروا إلى جميع مواقفه واستخلصوا منها رأيه أو منهجه لكان حريًّا أن يكون رأيهم صوابًا ، فالذين يستمسكون بموقف ابن عمر من الحجاج وعدم الخروج عليه وقتاله لم ينقلوا لنا موقفه منه إلى النهاية؛ هل كان على الخط المستقيم معه ؟ وهل كان يدعم مواقفَه، أم كان دائم الانكار عليه في كل ما لا يرضي الله ورسوله، وكان في صدام دائم معه إذ رآه يعتدى على الدين ويتعدى حدود الله في العالمين؟ ولو أنهم قرأوا سيرة ابن عمر ووقفوا على نهاية حياته كيف كانت وكيف ختمت لم يجرؤوا على قول ما قالوا ...
فلم يكن الحجّاج بن يوسف ليقتل ابن عمر إذا كان هو المساند المؤيد المستأنس بل قتله لأنه لم يكن مستأنسا مستكينا لظلمه ، فأوعز في السرّ الى شرطي من شرطته فقتله يوم عيد المسلمين في الحرم وهو يطوف بالبيت الحرام !!
وكان سبب قتل الحجاج له أن الحجاج بن يوسف لما قتل ابن الزبير أمر بخشبة فصلبه عليها، فلما صلب أقبلت أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق إلى الخشبة فعانقتها وجلست تبكي وتقول: واغوثاه يا الله ما أعظم ما نزل بنا بعدك يا محمد يا رسول الله، لو تدرك ما نزل بعدك بأصهارك وأرحامك وأبناء المهاجرين لرأيت عظيمًا، اللهم فبلّغ عنا نبيك صلى الله عليه وسلم في عظيم ما نزل بنا".
فأخبروا بمقالتها عبدَالله بن عمر فبكى حتى كادت نفسه تفيض، ثم قال لابنه سالم: قدني إليها -وكان قد كبرت سنه وكان يرعش من الكبر وكان قد عمر- فقاده ابنه سالم إليها، فلما أشرف على الخشبة نظر إليه مصلوبًا فقال ابن عمر:
"
قد كنت نهيتك عن مثل هذا يا أبا خبيب يا أخي فلم تنته، مع ما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا ينبغي لمؤمن أن يذلّ نفسه، فقلت: يا رسول الله كيف يذلّ نفسه؟ قال: لا يعرض نفسه لمن لا يقوى عليه فذلك ذلّ نفسه".
وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليقتلني أمير جائر على طاعة الله أحبُّ إليَّ من أن أموت مجاهدًا في سبيل الله".
فأتى شقيٌّ من أشقياء هذه الأمة فبلّغ ذلك إلى الحجّاج بن يوسف، فأبلغ منه قول ابن عمر كل مبلَغ وقال: أسرجوا لي، فركب إلى خشبة ابن الزبير، فأصاب أمّه عندها وعبد الله بن عمر وابنه سالم .
فقال الحجاج: يا أسماء إن ابنك جبل من جبال العرب وإنه سابقني إلى أمر وإنه سبقني إليه فوضعته في مكان مثله، ولو نال الذي نلت لكنت أنا مكانه، فهذا أجلّ من البكاء، وليس مثله يبكى عليه، وأما ما بلغني عن ذكرك ما حل بآل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصهاره وأرحامه، فنعوذ بالله من ذلك، إلا من سمى إلى ما سمى إليه ابنك، فلا بد لنا من أن نقارعه، فإمّا لنا وإما علينا، فلا نأسف على أمر فعله الله بنا؛ فإنه يحكم في خلقه بما يشاء".
فقال لها ابن عمر قومي واقبلي منه، فقامت ولم تكلّمه، وانصرف ابن عمر إلى منزله فدعا الحجّاج برجاله فقال لهم:
إن ابن عمر قال عند خشبة ابن الزبير: "ليقتلني أمير جائر على طاعة الله خير من أن أموت بالسيف مجاهدا في سبيل الله". فقد كشف لنا ما هو عليه، وهو ابن خليفة وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخاف إن خرجنا عنه أن يستحلّ منّا ما استحلّ ابن الزبير وعلماء العراق.
قالوا: الرأي فما ترى؟ قال: نقتله .
قالوا: أيها الأمير اجعل لقتله سببًا تحتجّ به على الناس، قال: ائتوني به، فأتوه به، فأتى ابنُ عمر ومعه ابنه سالم، فسلّم فقال له الحجّاج: اجلس يا شيخ، فجلس، ثم قال الحجّاج: ائتوني برجل من السجن، فأتوه به ثم قال: هاتوا السيف فأتوه به، ثمّ قال: يا سالم بن عبد الله بن عمر خذ هذا السيف فاضرب عنق هذا.
وإنّما أراد الحجاج أن يقول ابن عمر لابنه: لا تفعل فيقول: أنا إمام أمرت بأمر وتنهى أنت عنه؟ ثم يقول: خذوه، فعرف ابنُ عمر ما أراد، فأمسك.
فأخذ سالم السيف فهزّه، ثم تقدّم إلى الرجل الأسير فقال له: مد عنقك، فمدّ الرجل، فقال له سالم: يا رجل أزنيت بعد إحصان؟
قال الرجل: لا ما فعلت
قال له: فرجعت عن الإسلام؟
قال الرجل: لا ما فعلت
قال له سالم: أقتلت نفسًا بغير نفس؟
قال الرجل: لا ما فعلت
قال سالم: يا حجاج سمعت أبي -وهو يسمع ما أقول- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرئ مؤمن يقتل إلا عن ثلاث خصال: يزني بعد إحصان، أو يرتدّ عن الإسلام، أو يقتل نفسًا مؤمنة بغير نفس"
فليس في هذا الرجل شيئًا من هذا فلم تقتله؟ قال الحجاج: اضرب عنقه كما أقول لك، فقال سالم للرجل: مدّ عنقك فمد الرجل عنقه
فقال له سالم: يا أخي أصليت الغداة ركعتي الفجر؟
قال الرجل: نعم قد صليت.
قال سالم: يا حجّاج سمعت أبي -وهو يسمع ما أقول- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى ركعتي الفجر كان في ذمة الله وذمة رسوله حتى تتوارى بالحجاب". يا حجّاج كيف تقتل رجلًا وهو في ذمة الله ؟
قال الحجاج: يا سالم ضع السيف من يدك، فدعا رجلًا شقيًّا من أشقياء هذه الأمة فقال له: اضرب عنق هذا، فضرب عنقه فقتله، فقال الحجّاج لسالم: اسحبه حتى تخرجه، فأخذ سالم برجل القتيل يجرّه وهو يقول: يا أخي سحبك أهون علي من قتلك وأنا شاهد لك غدًا يوم القيامة أنك مظلوم.
فقام عبد الله بن عمر وهو يحمد الله حتى خرج فنادى: يا معشر المسلمين ائتوني بسالم ابني، فأتوه به، فقال له ابن عمر: يا سالم ادن مني حتى أقبلك يا بني إنّما سميتك سالمًا لتسلم فاسلم من الدنيا يا بني تغنم ثم قال: يا بني قدني، فقاده إلى داره.
فقال الحجّاج: هذا أعظم مما كان منّا، إنّما عمَدنا إلى جبل الإسلام وحاجب محمد ومن عرضت عليه الخلافة فلم يقبلها ومن حجّ أربعين حجة ومن سمّته قريش حمامة البيت وقدرُه في العرب ما قد علمتم وحب الأوس والخزرج لأبيه، فلست أرى له بعد ما حضر عندي من أمر هذا القتيل أن أدعه بعدي في هذه البلاد.
فقيل له: أيها الأمير اقتله قتلة تبرّئ نفسَك منه عند العامّة لكي لا يشتمل علينا في الفتنة !! فبعث الحجاج إلى غلام له يوم الجمعة -وكان ابنُ عمر يهجر إلى الجمعة في وقت الضحى- فأمر الحجّاج غلامَه أن يركب فرسًا جسامًا وأمره أن يطحنه بالفرس ويقتله، فركب الغلامُ الفرسَ، فنظر إلى ابن عمر وهو ساير يوم الجمعة، فحمل عليه بالفرس حتى إذا بلغ إليه صدمه فأقلبه ورضَّـه رضًّـا.
فبادر النّاس إليه، وقالوا: يا غلام أهلكتَ المسلمين في علمهم، فطلبك الله به.
وأقام الحجاجُ ينتظر موتَه فأبطأ ذلك عليه، فلما رأى ذلك، عمَد إلى زجّ فسمّه سمّا ناقعًا وجعله في عصًا ودفعه إلى بعض رجاله، وقال له: امض إلى ابن عمر فأقرئه سلامي، وقل له: يقول لك الأمير: ما فعلتَ في علَّتك، واحذر أن تمسَّ بهذا الزج شيئًا حتى تدخل إليه فقد تركتُ برأسه نارًا، فإذا سلمتَ عليه وبلّغتَ كلامي فضعِ السّنّ على ظهر قدمه واتّكئ عليه حتى يدخل، فإن قال لك: أهلكتني، فقل له: ما علمت أن رجلك ههنا.
فدخل عليه الرسول فأقرأه سلامه، وجعل الزجَّ على ظهر قدمه حتى دخل في رجله فجرحه جرحًا قبيحًا، فقال له ابن عمر: يا رجل خَفِ الله فقد والله أهلكتني، فقال الرجل: ما علمت -أبقاك الله- أنّ رجلَك ههنا ثمّ خرج عنه فاشتعل جسدُ ابن عمر سمًّا، فأقام ثلاثة أيام فمات رحمه الله. [المحن للحافظ أبي العرب التميمي ص 225-229]
روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير قال: كنت مع ابن عمر حين أصابه سنانُ الرّمح في أخمص قدمه، فلزقت قدمُه بالركاب فنزلت فنزعتها وذلك بمنى فبلغ الحجّاج فجعل يعوده فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك فقال ابن عمر: أنت أصبتني، قال: وكيف؟ قال حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه وأدخلتَ السّلاح الحرمَ ولم يكن السّلاح يدخل الحرم. [البخاري 918]
وفي كتاب الصريفيني ما هو أصرح في اتهام ابن عمر للحجاج قال: لما أنكر عبد الله على الحجاج نصب المنجنيق، يعني على الكعبة، وقتل عبد الله بن الزبير، أمر الحجاج بقتله، فضربه رجل من أهل الشام ضربة، فلما أتاه الحجاج يعوده قال له عبد الله: تقتلني ثم تعودني؟ كفى الله حكمًا بيني وبينك. فصرّح أنه أمر بقتله، وأنه قاتله. [فتح الباري (3/387)] قال الشوكاني: وَصُدُورُ مِثْلِهَا غَيْرُ بَعِيدٍ مِنْ الْحَجَّاجِ فَإِنَّهُ صَاحِبُ الْأَفَاعِيلِ الَّتِي تَبْكِي لَهَا عُيُونُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلُهُ [نيل الأوطار (2/ 339)]
وكان ابن عمر على فراش الموت يقول: ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: ظمأ الهواجر ومكابدة الليل وألا أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلّت بنا، قال الامام الذهبي : يعني الحجّاج .. [الطبقات لابن سعد (4/185)، والسير للذهبي (3/231)]
وهذا مما يفتح الباب على مصراعيه للسؤال الكبير : لماذا يبتسر هذا الجزء من سيرة ابن عمر رضي الله عنه لدى من يتحدثون في اعتزال الفتن ويستشهدون بموقفه وتراجع ابن عمر وتندمه على اعتزاله الفتنة والقعود عن نصرة أهل الحق فيها أمر ثابت عند العلماء ، قال ابن عبد البر: " وكان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لورعه قد أشكلت عَلَيْهِ حروب علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقعد عَنْهُ، وندم على ذَلِكَ حين حضرته الوفاة " أهـ [الاستيعاب (3/951)]
سلام على ابن عمر في الخالدين
سلام على ابن عمر في العالمين
سلام عليك يا عبد الله في جنات النعيم
سلام على ابن عمر في سادة الشهداء القائلين بالحق الصادعين به في وجه الحكّام الظالمين، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.

عبدُالله بن عمر المفترَى عليه (5- 6)


(5) مع إبطال الشبهات
صلاة ابن عمر وراء الحجّاج وحجّه معه
شبهة تتردّد .. وتتكرر عليك كلما ناقشتَ متّبعي الظّالم والسّاكتين عن الإنكار عليه تصيح الألسنة الخرساء بالحق تنطق بالشبهات حينئذ فتقول:
(كيف صلى ابن عمر وراءه؟ وأيضًا خرج إلى الحجّ تحت إمرته؟ ألا يدلّ ذلك على أنّه ارتضاه إمامًا لصلاته يقتدي به! ومن ثمّ يرتضيه لحُكمه يستظل به؟! وإذا كانت مظالم الحجاج على ما ذكر، فكيف سكت ابن عمر عنها ولم ينكرها عليه؟!)
وقد أجبت في الحلقة الرابعة عن شبهة مبايعة عبدالله بن عمر للحجّاج أو عبدالملك بن مروان، وبينّت أنّها لا تعدو أن تكون فرية يبرّر بها الذين لا يتقون مواقفَهم !!
وأمّا عن صلاته وحجه وراءه فأحبّ أن ألفت النظر إلى جملة أمور:
1- كيف لا يرعى أحدٌ من هؤلاء الفرقَ بين الحجّاج وحكّام زماننا ؟! ..
فذلك على فسقه وسفكه الدم وجَوره في الناس لم يكن يتطرق إلى ساحته أمارةُ كفر ولا شبهتُها .. بخلاف من يحكمون اليوم بغير ما أنزل الله بل يكرهون الشريعة؛ تنطق بذلك أقوالهم وتبرّهن عليه أفعالهم ..
ترى لو كان ابن عمر بيننا هل كان يفعل ما يفعله هؤلاء مع حكّام اليوم؟!
2- لقد رفض ابن عمر البيعة للحجاج وسيده عبدالملك لأن الشريعة تمنعه من ذلك، لكنّه صلّى وراء الحجاج وهو نعم حاكم ظالم متسلّط بالقوّة لأنّ الشريعة لا تمنعه من ذلك ! ولأنّ تلك الصّلاة -أيضًا- كانت في المسجد الحرام .. فهل كان ابن عمر يترك الصّلاة في المسجد الحرام لأنّ الحجّاج هو إمامها ؟!
وأيضًا كان الحجّاج هو الذي خرج بالمسلمين إلى مناسك الحجّ وأداء المشاعر -بعدما تغلب على مكة واستولى عليها- فخرج ابن عمر ليحجّ بيت الله لا ليمشي وراء الحجّاج بن يوسف ... وهل معنى أن الحجّ تحت إمرة الحجّاج أن يدعه ابن عمر ؟! ألا ساء ما يفقهون !!! ونحن نقول لهؤلاء: ائتونا من الشريعة ما يدلّ على جواز ذلك (ترك الصلاة) أو ينهى عن فعل ابن عمر الذي فعله (الحج مع إمام ظالم) !!!
3- لقد افترى القوم على ابن عمر حين قالوا: يدلّ ذلك على أنه ارتضاه إمامًا لصلاته وحجّه يقتدي به! ومن ثمّ يرتضيه لحكمه يستظل به؟!
فمن أين استقوا هذا الرضا وأي فعل من ابن عمر يدل عليه أفلا نظروا إلى جملة حاله رضي الله عنه مع هؤلاء الحكام الظالمين ، فإنما الذي يفرّق في ذلك: هل كان ابن عمر يسكت على منكر رآه أو يداهن في باطل يمّرر أمامه ؟!
4- إن مواقف الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما تنطق كلها بأنه رجل شجاع قوّال بالحق ناصح للحكام .. مستعلنٌ بالجهر - على ملأ الناس - بنصيحة هؤلاء الحكام بالخير وزجرهم عن ارتكاب الظلم والإثم، فضلًا عن انقطاعه عن مشاركتهم فيه، كيف لا وهو صاحب هذه المواقف:
- موقف ابن عمر من ظلم بعض الأمراء .. أمير البصرة : روى مسلم عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : دَخَلَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ ، وَهُوَ مَرِيضٌ ، [وعنده قوم يدعون له بالعافية !!!!] قَالَ : أَلاَ تَدْعُو الله لِى يَا ابْنَ عُمَرَ ،  فقَالَ إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلاَ صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ [ولا نفقه في ربا]». وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ [ولا أراك إلا قد أصبت منها شرًّا]. [الحديث رواه مسلم في صحيحه وانظر لزامًا شرحه في فتح المنعم 2/86، وما بين المعقوفتين روايات للحديث فقد رواه سعيد بن منصور في سننه من وجه آخر عن ابن عمر موقوفا ، وزاد : ولا نفقة في ربا وكنت على البصرة ، وزاد الفريابي : ولا أراك إلا قد أصبت منها شرا، وضعتهما في مكانهما المناسب من الحديث]
مثل هذا ترونه يداهن في دينه، أو يقبل الدنيّة فيه ؟! ولم يكن ذلك إلا من قوّة مهما كانت قوّة الذي يقف أمامه أو خشية الناس لظلمه وفسقه فماذا حدث بينه وبين الحجّاج؟
- موقفه من قتل عبدالله بن الزبير: لما قتل جند الحجّاج عبدالله بن الزبير كبروا، فبلغ ذلك ابن عمر -رضي الله عنه- وكان بمكة، فقال: والله إنّ الذين كبّروا يوم ولادته خيرٌ من الذين كبروا يوم مقتله، وكان المسلمون في المدينة قد كبروا لما ولد ابن الزبير في مطلع الهجرة النبويّة. [البداية والنهاية 8/187]
- موقفه من صلب ابن الزبير: وقد بقي ابنُ الزبير مصلوباً حتى مرّ به ابن عمر -رضي الله عنه- ودعا له، وقال: رحمك الله أبا خبيب لقد كنت صواماً قواماً، ثم مر على أمّه أسماء، وقال لها: اصبري، فإنّ هذه الأجساد لا يضرها ما يقع عليها بعد الموت، فذكرت أنها صابرة، وقالت: كيف لا أصبر ورأس يحيى بن زكريا قدم لبغي من بغايا بني إسرائيل؟!، يعني من باب أولى أن تصبر على مثل هذا. [البداية والنهاية 8/211]
- موقفه من افتراء الحجّاج على ابن الزبير:
5- موقف ابن عمر بعد موت يزيد
لمّا مات يزيد بن معاوية وحصل النّزاع على السلطان، جاء أناس يعرضون على ابن عمر الملك، فقال رضي الله عنه: ما أحبّ أن الدّنيا دانت لي، وأن يراق دم مسلم من أجلي، إذا كان يأتي الأمر عن طريق إجماع المسلمين فأنا لها، وأسأل الله أن يعينني عليها، أما أن يكون أمرٌ يؤخذ مغالبة ومخاصمة فما أحب أن تكون الخلافة لي، وأن تدين الدنيا كلها لي وتكون تحت طاعتي وأن يراق دم مسلم، فما دام بين الأمة اختلاف فأنا أبتعد عن الملك ، فهلّا سمع ذلك الذين شاركوا في الدماء يزعمون أنهم مع موقف عبدالله بن عمر!!! أين هم من كلام ابن عمر هذا؟

6- لقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول عن الفتن التي وقعت في بني أمية من أجل الملك: إنما يقتتلون على الدنيا، فمن قال: حي على الصلاة، قلت له: أجبتك، ومن قال: حي على قتل أخيك المؤمن، قلت: لا؛ بل نجتمع في الخير، ونفترق في الشر. [السنن الكبرى للبيهقي (5180)]، ولهذا كان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي وراء الحجاج لكنه لم يقف إلى جواره وهو يقتل الصحابة والتابعين ويسفك دماء المسلمين.. كما يقول الأفّاكون اليوم !
7- إن الذين يتمسكون بموقف ابن عمر لم ينقلوا لنا موقف عبدالله بن عمر من الحجاج إلى النهاية فهل كان عبدالله بن عمر على الخط المستقيم مع الظالم ؟ اللهم لا ، بل كان ابن عمر دائم الانكار عليه في كل ما لا يرضي الله ورسوله وكان اذا رأى من الظالم إعراضا عن استماع النصيحة أو عدم انزجار بعدها كتب إلى الخليفة عبدالملك بن مروان يشكو إليه واليه على مكة حتى ضجر الحجّاج بابن عمر وأوعز في السرّ الى شرطي من شرطته فقتله يوم عيد المسلمين في الحرم وهو يطوف بالبيت وقد حصلت المواجهة بين ابن عمر المقتول وبين الحجاج القاتل السفاك فعنفه ابن عمر وزجره

8- كان ابن عمر دائم الانكار على الحجاج لأن الحجاج بعد أن عتا وطغى وبغى وتجبر، كان عبد الله بن عمر يكتب إلى عبد الملك بن مروان يبين له ظلم الحجاج ، فكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج : لا إمرة لك على عبد الله بن عمر أينما كان، أي: كلما تلتقي به فأنت لست بأمير له

عبدُالله بن عمر المفترَى عليه (4- 6)


(4) شبهات أوهى من بيت العنكبوت
كيف بايع عبدالله بن عمر رضي الله عنه الحجاج بن يوسف الثقفي ، الظالم الذي فاق ظلمُه كلّّ وصفٍ؟ وكيف صلى ابن عمر وراءه في المسجد الحرام وأيضًا خرج إلى الحج تحت إمرته؟ ألا يدل ذلك على أنه ارتضاه إمامًا لصلاته يقتدي به! ومن ثمّ يرتضيه لحكمه يستظل به؟! وإذا كانت مظالم الحجاج على ما ذكر فكيف سكت ابن عمر عنها ولم ينكرها عليه؟!
والجواب: هذه من الشبهات التى يثيرها من لا يفقه -أو يفقه ولكنّه يدلّس بها على النّاس- وهي لا تعدو كما قلت: (شبهات) لا حقائق.. فما هي الحقيقة؟
أولا: الثابت تاريخيًّا كالشمس في ضحاها أن الحجّاج بن يوسف الثقفي لم يكن خليفة ولا ملكًا متوَّجًا وإنّما كان أميرًا من قبل أحد الخلفاء -هو عبدالملك بن مروان الأموي- فكيف هى إذًا البيعة للأمير؟ هل لكم أن تخبرونا: ما صفتها ونوعها؟ وما دليلها وأصلها؟ ومتى حدثت في الإسلام، ومن مثل الحجاج من الأمراء بويع؟
إن الإسلام -كدين له مصادره، وواقع له تاريخه- لا يثبت فيه شيء من هذا على الإطلاق، لا للحجاج ولا لغيره من الأمراء!
ولا يقال في مثل هذا أن ابن عمر بايع الحجاج نيابة عن عبدالملك بن مروان لأنه لا يستقيم لكم به ما أردتم، فالآن تعلمون حقيقة ما تزعمون، فصبرًا .
ثانيًا: أين نجد هذا الثبت الذي ينص على أن ابن عمر بايع الحجّاج إلا في كتب الشيعة الذين ينسبون إلى الصحابة الكرام ما هم منه براء؟ فلن تجد ذلك الخبر إلا عند شيعي هالك (مثل: القول الصراح في البخاري وصحيحه الجامع للأصبهاني) أو لدى أديب يجمع كل ما يلقى إليه كحاطب ليل (أمثال: نثر الدر للآبي ، والعثمانية للجاحظ) وعنهم أيضًا ينقل الشيعة ؛ يقول الآبي: "إن ابن عمر طرق الحجاج ليلا وقال: هات يدك أبايعك لأمير المؤمنين عبد الملك فاني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم - يقول: "من مات وليس عليه بيعة إمام فموته جاهلية"، فأنكر عليه الحجاج مع كفره وعتوه وقال له : بالأمس تقعد عن بيعة علي بن أبي طالب وأنت اليوم تسألني البيعة من عبد الملك بن مروان ؟ يدي عنك مشغولة لكن هذا رجلي".
هذا ما يذكره الشيعة وحاطبوا الأدباء على سواء، فلمن شاء من أدعياء السلفية أن يعتقد ذلك في صحابة النبي فليفعل، لكننا لا نقبله على آبائنا فلا نقبله على خيرة الله من خلقه.
وليُمعن النظر في هذا الخبر مَن كان في قلبه مرض: قال الحافظ في الفتح - نقلا عن رواية للاسماعيلي- ان معاوية أراد على ابن عمر أن يبايع ليزيد فأبى وقال : لا أبايع لأميرين، فأرسل إليه معاوية بمائة ألف درهم، فأخذها فدس إليه رجلا فقال له ما يمنعك أن تبايع فقال ابن عمر : إن ذاك لذاك ; يعني عطاء ذلك المال لأجل وقوع المبايعة ، ان ديني عندي اذا لرخيص ، فلما مات معاوية كتب إلى يزيد ببيعته ... الحديث. وقد اشترط ابن عمر لبيعة يزيد أن يبايع الناس له جميعا.. فلما اجتمع عليه الناس بايعه..
ثالثًا: الثابت أن ابن عمر -رضي الله عنه- لم يبايع أحدا بعد يزيد لا عبدالملك ولا غيره لما وقع من إراقة للدماء.. والعجيب أنى قرأت على صفحات كبار من أتباع الحزب الآثم يستدلون على صحة مواقفهم المخزية بأن ابن مسعود وابن عباس وابن عمر بايعوا الحجاج ولم يخرجوا عليه!!!!! رغم أن ابن مسعود توفي سنة 32 ولم يدرك هذه الأحداث !! وابن عباس كابن عمر لم يبايع بعد يزيد أحدًا من النّاس ! فقاتل الله المفترين!
يقول الحافظ ابن كثير: "بعث الوليد إلى عبد الله بن عمر فقال: بايع ليزيد، فقال: إذا بايع الناس بايعت، فقال رجل: إنما تريد أن تختلف الناس ويقتتلون حتى يتفانوا، فإذا لم يبق غيرك بايعوك؟ فقال ابن عمر: لا أحب شيئا مما قلت، ولكن إذا بايع الناس فلم يبق غيري بايعت، وكانوا لا يتخوفونه). [البداية والنهاية (8/158)]
وقال ابن كثير في موضع آخر عنه: (ولا بايع أحدًا بعد بيعته ليزيد).
هذا أيها الإخوة !
ولنا أن نقول: ولو ثبت أن ذلك حدث ، فجعل المواقف التاريخية من الأدلة الشرعية بدعة لم يسمع بها أهل الإسلام "بل الأدلة هي الحاكمة على التاريخ فتصوّب هذا وتخطئ ذاك".... بل ولو قيل إنه فعل السلف! فالرد : هو ليس حجة في دين الله ما لم يجتمعوا .. وإذا اجتمعوا على ما كان فهل ما نحن فيه مثله -يا أهل الادعاء بتحقيق المناط-؟ هذا ما تجيب عنه بقية المقالات... وعن بقية الشبهات
والله من وراء القصد


عبدُالله بن عمر المفترَى عليه (3- 6)


(3) حارس حدود الشرع المنزّل ..
الشورى حقّ للأمة يحرم مصادرته ومنازعتها إياه ، فما منحه الله لا يمنعه مخلوق .. وقد قال عز وجل: "وأمرهم شورى بينهم" .. ولئن كان النبي -الحاكم المعصوم، المؤيَّد بالوحي- مأمورًا بالعمل بالشورى في حكمه فكيف بغيره ؟
ومن ثمّ انطلق المجتمع الإسلاميّ الأوّل في جميع أموره من هذا المبدأ، بداية من اختيار حاكمه حتى أصغر شئونه، على نحو ما قال آخر الراشدين عليّ بن أبي طالب: (أيها النّاس، إنما الأمير من أمّرتموه والخليفة من اخترتموه)، [تاريخ الطبري (2/696)] فعزّ المجتمع -بخلفائه الراشدين- وعلا شأنه وارتفع..

ثم خلفهم أقوامٌ زعموا الملك حقًّا لا ينازَعون فيه، فكان الوهن، يوم ابتليت الأمة بدعاوى الأمويين والعباسيين والعلويين، الذين اتخذوا الحكم حكرًا وتداولوه إرثًا !

كان يزيد بن معاوية أول خليفة -والصحيح التعبير بالملك- يصل للحكم عن طريق الوراثة
وقد ألممنا في الحلقة (2) بما كان من أمر عبدالله بن عمر من معارضة ذلك وقيادة المدينة النبوية -ومعه الصحابة الحسين وابن أبي بكر وابن الزبير- إلى عدم الرضا بهذا الأمر رغم أن السيف كان ينتظرهم ، حتى إنه وقف يقول للخليفة -معاوية-:
(إنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من أبنائهم ، فلم يروا فِي أبنائهم ما رأيت أنت فِي ابنك ، ولكنهم اختاروا للمسلمين حيث علموا الخيار ، وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين وأن أسعى فِي فساد ذات بينهم ، ولم أكن لأفعل ، إنما أنا رجل من المسلمين ، فإذا اجتمعوا عَلَى أمر فإنما أنا رجل منهم). [تاريخ خليفة بن خياط (ص 213 و 214)]

رفض ابن عمر -كغيره من فقهاء الصحابة - تلك الحيل في تأويل النصوص الشرعية لأجل تحقيق مصلحة خاصة .. وتمسكوا بما فهموه وسبق أن طبقه الخلفاء الراشدون وهو أن الأمر للأمة تختار من ترتضيه لقيادتها... غير أنّ معاوية -رضي الله عنه- مضى في طريقه وما أراد بقوة الحكم والسلطة فما كان من ابن عمر إلا أن اعتزم الإعراض ، بعد أن أدى ما عليه ، فقد بلّغ كما أمر ، وجهر حتى أسمع ، وعارض كما ينبغي، فأدّى الأمانة كما وجبت عليه ، كفقيه من الفقهاء وعالم من علماء الإسلام .. ومع ذلك ما كان يرى ذلك بمقنع له.

خطب معاوية فقال: "من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به منه ومن أبيه".
قال حبيب بن مسلمة -أي لعبد الله بن عمر-: فهلا أجبته ؟ قال عبد الله: فحللت حبوتي وهممت أن أقول أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك فذكرت ما أعد الله في الجنان قال حبيب حفظت وعصمت. [انظر صحيح البخاري (3882) دار ابن كثير ط 1414هـ / 1993م]

ومع هذا لما بايع الناس يزيد أمسك عبدالله فلم يبايع ، حتى رأى النّاس جميعًا بايعوا
بعث الوليد -أمير يزيد على المدينة- إلى عبد الله بن عمر فقال: بايع ليزيد، فقال: إذا بايع الناس بايعت، فقال رجل: إنما تريد أن يختلف الناس ويقتتلون حتى يتفانوا، فإذا لم يبق غيرك بايعوك ؟ فقال ابن عمر: لا أحب شيئًا مما قلت، ولكن إذا بايع الناس فلم يبق غيري بايعت.
"فلم يبايع ابن عمر حينها انتظارًا لما تجمع عليه الأمة إذ الحق حقها ، فلما جاءت البيعة من الأمصار ليزيد بايعه وبايعه ابن عباس". [البداية والنهاية (8/158)]

رحم الله ابن عمر -ما أكثر ما افتُري عليه-
"لقد نطق بالحق إذ خشي الناس وما هو بالهيّاب لسيف ولا حربة
"ووقف على حدود الشريعة يقذف من أراد تجاوزها على قدر طاقته
"وعارض الحيف عن مبادئ الدين وسنن الراشدين وبشّعه للناس
"ولما لم يستقم له من أراده على الحق ما اصطفّ إلى جواره بل فارق جبهته

رحم الله بن عمر ومن مضى على طريقه إلى يوم الدين

عبدُالله بن عمر المفترَى عليه (2- 6)


(2) صورة الثائر ...

لم يكن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم خوّارًا ، فضلًا عن الوقوف إلى جوار الباطل والتخلّي عن مناصرة الحق ! كيف ؟ وهم حواريو رسول الله الذين ناصروه وأيدوه ! وهم مبايعوه على ما اشترطه عليهم : (أَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لا تَأْخُذُكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لائِمٍ).

ومن هؤلاء الصحب الكرام عبدالله بن عمر رضي الله عنه .. وقد زاده على قول الحق إصرارًا أنه ابن عمر ! تربية عمر بن الخطاب الرجل الذي كان فرقانًا بين الحقّ والباطل، وعلى ذلك ربى أبناءه .

فهل هذا كلام إنشاء ؟
كلا ؛ إنّ مواقف الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما تنطق كلها بأنه رجل شجاع قوّال بالحق ناصح للحكام .. مستعلنٌ بالجهر - على ملأ الناس - بنصيحة هؤلاء الحكام بالخير وزجرهم عن ارتكاب الظلم والإثم، فضلا عن إعلانه مفارقتهم ورفضه مشاركتهم الإثم .. إلى مشاركة الثائرين على إرادة هؤلاء الحكام الشر وطلبهم المنكر فيثور ابن عمر هو الآخر حتى يرجع الحقُّ إلى أهله ويئوب الحاكم المتجاوز إلى حده ..

وتأمل معي هذه المواقف للصحابي الجليل:

(1) موقف ابن عمر من بيعة يزيد بن معاوية
بدا للخليفة معاوية رضي الله عنه أن يولي ابنه يزيد الخلافة من بعده، رائيًا أن ذلك أنسب للناس من تركهم بلا خليفة ؛ فيتنازعون ويختلفون ويتفرقون !
وقال يوضّح ذلك: (إني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع) [البداية والنهاية للحافظ ابن كثير (11/308) عالم الكتب 1424هـ / 2003م] وطبعا كان من أسرع النّاس لتلبية هذه الدعوة أهل دمشق - عصبة الأمويين وجندهم في كل نازلة ... وكذلك توافدت بعض الوفود من نواح تؤيد هذه البيعة
إلا أن أهل المدينة النبوية رفضوا البيعة ليزيد من بعد معاوية؛ لما رأوا فيها افتئاتًا على حق الأمة في اختيار خليفتها بشورى بين أفرادها وعن رغبة واختيار ورضى من مجموعها
وكان على رأس المعارضين في المدينة يقود أهلها لرفض هذه الدعوة الصحابة الأجلاء: عبدالله بن عمر وعبدالله بن عباس وعبدالله بن الزبير وعبدالرحمن بن أبي بكر والحسين بن علي بن أبي طالب

وقد أرسل معاوية ابن أبي سفيان مرارًا إلى أهل المدينة يأخذ منهم البيعة ليزيد، وأهل المدينة يرفضون رفضًا تامًّا ، حتى قرر معاوية أن يذهب إليهم بنفسه ليناقش رؤساء المعارضة في ذلك ؛ (العبادلة الثلاث، ومعهما عبدالرحمن بن أبي بكر والحسين بن علي) إلا أنهم جميعًا حينما سمعوا بقدومه إلى المدينة فحين اقترب هو منها خرجوا هم إلى مكة حتى لا يلتقوه ، ولما وصل معاوية إلى المدينة خطب فيهم وقال:"قد بايعنا يزيد فبايعوه"، فلم يستجب له أحد ولم يرد عليه أحد، فتوجه إلى مكة. (تاريخ الخلفاء للحافظ السيوطي (1/173) مطبعة السعادة، 1371هـ - 1952م)
فلما أكمل نسك الحج، ابتدأ بعبد الله بن عمر أولاً، ثم ببقية أصحابه الأمر الذي انتهى بإصرارهم على رفضهم أن يكون يزيد بن معاوية حاكمًا للأمة بعد أبيه ... وبينوا سبب رفضهم بأنهم لا يوافقوا أن تكون الخلافة كسروية أو هرقلية كلما مات خليفة تولى ابنه بعده!!

لقد كان ابن عمر رضي الله عنه -ومعه أصحابه ابنا الزبير وأبي بكر والحسين- يقودون معارضة رأي الخليفة في ذلك الاتجاه وهم يعلمون العاقبة التى ربما يؤول إليها أمرهم وهي القتل، لا سيما وأن الاتجاه المؤيد لرأي الخليفة كان لا يفتأ يشير بهذه المشورة المعتوهة في أمر هؤلاء المعارضين .. وإليك هذين المثالين:

أ- في هذه السنة -51 للهجرة- أرسل الخليفة معاوية إلى البلدان بأن يفد إليه الناس، فكان ممن أتى: وفد أهل الشام ووفد أهل البصرة ، فكان فيهم يزيد بن المقنع الذي لم يأل يقول للخليفة لما شاورهم في أمر يزيد: (أمير المؤمنين هذا (وأشار إلى معاوية)، فإن هلك فهذا (وأشار إلى يزيد)، فمن أبى فهذا (وأشار إلى السيف).

ب- وكذا لما وردت الأنباءُ إلى عاصمة الخلافة الأموية بأن زعماء معارضة المدينة وعلى رأسهم عبدالله بن عمر رضي الله عنه يرفضون بيعة يزيد طلبوا من الخليفة معاوية أن يأمرهم بإعلان البيعة أو ضرب أعناقهم ! [الكامل لابن الاثير 3/ 215) ]
لقد كان ابن عمر في هذه المعارضة ينتظره السيف ، لكنّه لم يأبه لذلك لأنه لم يكن ليخاف على نفسه في كلمة حقٍّ يقولها لله لا يخاف في ذات الله أحدًا ولا يخشى لومة لائم ..

حاول ابن عمر وصحبه بما أوتوا من سعة وحيلة وأظهروا كلمتهم بحجة وبرهان، لكن ذهبت محاولاتهم ومعها إرادة أهل المدينة والأمصار هباء ، أدراج الرياح أمام تعنت السلطان وقوة الحاكم الذي أنفذ ما أراد على رغم وكره من الأمة بغير رضى ولا اختيار منها ظانًّا أنه يحفظها بذلك من الشتات !
فما كانت إلا أيام حتى قضى هو ورحل إلى ربه وترك من ورائه ولده لا يسدّ في مقامه ولا يغنى من أمره فتفرّقت الأمّة بين يديه أيادي سبأ

وهكذا كان رأي ابن عمر -وهو الذي جاءت به نصوص الشريعة وارتآه المسلمون وعلى رأسهم أهل المدينة في القمّة منهم الصحابة- الحق الذي ندم الجميع على إغضاء الطرف وسد الآذان عن سماعه ، ولات حين مندم !
ليحق الشطر الثاني من كلام ابن عمر حين رأى السلطان ماضيا بقوة الملك فيما رآه دون أن يسمع لكلام أحد فقال: (إن كان خيراً رضينا، وإن كان بلاء صبرنا)، [الطبقات الكبرى لابن سعد (4/182) دار صادر - بيروت] فكان البلاء لكن الناس عليه لم يصبروا وحدثت الفتن بسبب التي مزقت الأمة من بعد ذلك وأوهنت قواها نتيجة هذا التعدى على صريح نصوصها المتلوّة المجلوّة مما لازلنا نعاني منه إلى اليوم.

لقد أدّى ابن عمر رسالته على قدر وسعه وطاقته ؛ لئلا يشارك بصمته وسكوته في ظلم أو حيف أو انحراف عن سنة رسول الله وخلفائه من بعده.
فأين ذلك من ادعاءات المدّعين ؟

عبدُالله بن عمر المفترَى عليه (1- 6)


(1) صورة مشوّهة .. قبّح الله من رسمها
ترتسم في ذهن الكثير من المسلمين اليومَ صُـورة مشوَّهة عن الصّحابيّ الجليل عبدالله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- تُظهر لمن يتأمّلها أنه كان مستكينًا للظلم مستسلمًا للطغاة .. وربّما اشتطت الأذهان فذهبت إلى أن ابن عمر كان يعاون هؤلاء أو يساندهم !!!
ساعد على تشكيل هذه الصورة كثرةُ الادعاءات التي حامت حولَ الصحابي الجليل، فمن قائل إنه لم يقف في وجه الحجاج وظُلمه .. ومن قائل إنه كان يصلي وراءه منطلقين من ذلك إلى أنه ارتضاه إمامًا لصلاته .. وحُكمه !!!

ودفاعًا عن قامة الصّحابة رضوان الله عليهم .. وكذا تجلية لصورة صحابيّ جليل هو عبدالله بن عمر الذي عُرف وقوفُه أمام الظلم وفي وجه الظلمة على مدار عمره من بداية عهده صغيرًا مع النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد عبدالله الطفل أن يخرج ليقاتل أهل الكفر والعدوان معه في بدر ، وبعدها في أحد ، فردّه النبي - صلى الله عليه وسلم- لصغَر سنّه، وظلّت عزيمته وكذا همّته قويَّةً لا تخور، حتى كان يوم الخندق فخرج يحارب وهو ابن 15 سنة ! وظل ابنُ عمر على هذا العهد لم يفارقه ؛ وقَّافًا إلى جوار الحقّ، صدّادًًا لدفعات الباطل، حتى قُتِل وهو يجهر بكلمة الحقّ، قتله من قتله خشية كلمات الحق التى كان يقولها في وجه طُغيانه وظُلمِه. [انظر في سيرة ابن عمر كتب التراجم وأشملها سير أعلام النبلاء (3/204- 239) من طبعة مؤسسة الرسالة لسنة 1422هـ / 2001م ]

أكتب هذه المقالات، أجتهد الحقّ، لا آلوا، فإن أصبتُ فالحمد لله، وإن أخطأتُ فما أردتُّ إلا الخير .... أبيّن فيها -بالأدلة والبيّنات- حقيقةَ هذا الثائر الشجاع الذي ظلمه أهل السوء بادعاءاتهم عليه كذبًا وزورًا.

أمّة الأفلام ... متى تعي أمجادها ؟!


الأمّة التى يُصوّر لها اليوم (بن لادن) إرهابيًّا
هي الأمة التي كان يصوّر لها بالأمس (عمر المختار) إرهابيًّا
هذا من قِبَل "أمريكا" وذاك من قِبَل "إيطاليا" ... وكلتهما محتلّة
أما البطلان .. فكلاهما زعيم عالميّ ، وبطل مجاهد اتّهمه عدوّه المحتل
وليس على الشهيدين من بأس فيما قال العدو أو ادّعى فذلك دوره وهدفه
لكن أن تصدّق الأمةُ أن يكون إرهابيًّا !!! من عمل على تحرير مائة مليون مسلم في أفغانستان وجمهوريات آسيا الإسلامية وتخليصها من قبضة الروس وسجنهم الكبير (الاتحاد السوفيتي) ... وذلك في مدة 30 سنة مليئة بالجهاد والاجتهاد اختزلت في موقف واحد يختلف عليه الكثيرون أصاب فيه أو أخطأ ... فتلك لعمر الله الداهية والمصيبة الكبرى
وكما تدرك الأجيال الإسلامية اليوم أن (عمر المختار) لم يكن إرهابيًّا أعدمه الإيطاليون شنقًا بتهمة الإرهاب وبتهمة قتل جنودهم ومواطنيهم الذين كانوا يحتلون ليبيا!
فغدًا يعلمون أن (أسامة بن لادن) قام الغرب الاستعماري بقتله لأنه قاومهم ورفض مشروعهم الاستعماري للعالم الإسلامي!
لكن سيحدث ذلك حين يتطوّع حرٌّ من أحرار الغرب (من جهة العدو) بإنتاج فيلم كبير يوضح ذلك ، كما أنتج بعضهم (الغربيون) للبطل (عمر المختار) فيلمًا أظهر فيه بعض الحقائق وأخفى كثيرًا .. وأمة هؤلاء الأبطال المجاهدين في نوم ويقظة بالألعاب تنشغلُ
لقد
رأيت عجبًا من قوم يزعمون في بن لادن وإخوته المجاهدين إفكًا وبهتانًا
وأنظر فأرى عجبًا فبعض هؤلاء لا يحسن الكتابة وبعضهم بالكاد يؤدي الصلاة !!!