(5)
مع إبطال الشبهات
صلاة ابن عمر وراء الحجّاج وحجّه معه
شبهة تتردّد .. وتتكرر عليك كلما ناقشتَ متّبعي الظّالم
والسّاكتين عن الإنكار عليه تصيح الألسنة الخرساء بالحق تنطق بالشبهات حينئذ
فتقول:
(كيف صلى ابن عمر وراءه؟ وأيضًا خرج إلى الحجّ تحت إمرته؟
ألا يدلّ ذلك على أنّه ارتضاه إمامًا لصلاته يقتدي به! ومن ثمّ يرتضيه لحُكمه
يستظل به؟! وإذا كانت مظالم الحجاج على ما ذكر، فكيف سكت ابن عمر عنها ولم ينكرها
عليه؟!)
وقد أجبت في الحلقة الرابعة عن شبهة مبايعة عبدالله بن عمر
للحجّاج أو عبدالملك بن مروان، وبينّت أنّها لا تعدو أن تكون فرية يبرّر بها الذين
لا يتقون مواقفَهم !!
وأمّا عن صلاته وحجه وراءه فأحبّ أن ألفت النظر إلى جملة
أمور:
1- كيف لا يرعى أحدٌ من هؤلاء الفرقَ بين الحجّاج وحكّام
زماننا ؟! ..
فذلك على فسقه وسفكه الدم وجَوره في الناس لم يكن يتطرق إلى
ساحته أمارةُ كفر ولا شبهتُها .. بخلاف من يحكمون اليوم بغير ما أنزل الله بل
يكرهون الشريعة؛ تنطق بذلك أقوالهم وتبرّهن عليه أفعالهم ..
ترى لو كان ابن عمر بيننا هل كان يفعل ما يفعله هؤلاء مع
حكّام اليوم؟!
2- لقد رفض ابن عمر البيعة للحجاج وسيده عبدالملك لأن
الشريعة تمنعه من ذلك، لكنّه صلّى وراء الحجاج وهو نعم حاكم ظالم متسلّط بالقوّة
لأنّ الشريعة لا تمنعه من ذلك ! ولأنّ تلك الصّلاة -أيضًا- كانت في المسجد الحرام
.. فهل كان ابن عمر يترك الصّلاة في المسجد الحرام لأنّ الحجّاج هو إمامها ؟!
وأيضًا كان الحجّاج هو الذي خرج بالمسلمين إلى مناسك الحجّ
وأداء المشاعر -بعدما تغلب على مكة واستولى عليها- فخرج ابن عمر ليحجّ بيت الله لا
ليمشي وراء الحجّاج بن يوسف ... وهل معنى أن الحجّ تحت إمرة الحجّاج أن يدعه ابن
عمر ؟! ألا ساء ما يفقهون !!! ونحن نقول لهؤلاء: ائتونا من الشريعة ما يدلّ على
جواز ذلك (ترك الصلاة) أو ينهى عن فعل ابن عمر الذي فعله (الحج مع إمام ظالم) !!!
3- لقد افترى القوم على ابن عمر حين قالوا: يدلّ ذلك على
أنه ارتضاه إمامًا لصلاته وحجّه يقتدي به! ومن ثمّ يرتضيه لحكمه يستظل به؟!
فمن أين استقوا هذا الرضا وأي فعل من ابن عمر يدل عليه أفلا
نظروا إلى جملة حاله رضي الله عنه مع هؤلاء الحكام الظالمين ، فإنما الذي يفرّق في
ذلك: هل كان ابن عمر يسكت على منكر رآه أو يداهن في باطل يمّرر أمامه ؟!
4- إن مواقف الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما
تنطق كلها بأنه رجل شجاع قوّال بالحق ناصح للحكام .. مستعلنٌ بالجهر - على ملأ
الناس - بنصيحة هؤلاء الحكام بالخير وزجرهم عن ارتكاب الظلم والإثم، فضلًا عن
انقطاعه عن مشاركتهم فيه، كيف لا وهو صاحب هذه المواقف:
- موقف ابن عمر من ظلم بعض الأمراء .. أمير البصرة : روى
مسلم عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ : دَخَلَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ عَلَى
ابْنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ ، وَهُوَ مَرِيضٌ ، [وعنده قوم يدعون له بالعافية !!!!]
قَالَ : أَلاَ تَدْعُو الله لِى يَا ابْنَ عُمَرَ ، فقَالَ إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ الله -صلى الله
عليه وسلم- يَقُولُ « لاَ تُقْبَلُ صَلاَةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلاَ صَدَقَةٌ مِنْ
غُلُولٍ [ولا نفقه في ربا]». وَكُنْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ [ولا أراك إلا قد أصبت
منها شرًّا]. [الحديث رواه مسلم في صحيحه وانظر لزامًا شرحه في فتح المنعم 2/86،
وما بين المعقوفتين روايات للحديث فقد رواه سعيد بن منصور في سننه من وجه آخر عن
ابن عمر موقوفا ، وزاد : ولا نفقة في ربا وكنت على البصرة ، وزاد الفريابي : ولا
أراك إلا قد أصبت منها شرا، وضعتهما في مكانهما المناسب من الحديث]
مثل هذا ترونه يداهن في دينه، أو يقبل الدنيّة فيه ؟! ولم
يكن ذلك إلا من قوّة مهما كانت قوّة الذي يقف أمامه أو خشية الناس لظلمه وفسقه
فماذا حدث بينه وبين الحجّاج؟
- موقفه من قتل عبدالله بن الزبير: لما قتل جند الحجّاج
عبدالله بن الزبير كبروا، فبلغ ذلك ابن عمر -رضي الله عنه- وكان بمكة، فقال: والله
إنّ الذين كبّروا يوم ولادته خيرٌ من الذين كبروا يوم مقتله، وكان المسلمون في
المدينة قد كبروا لما ولد ابن الزبير في مطلع الهجرة النبويّة. [البداية والنهاية 8/187]
- موقفه من صلب ابن الزبير: وقد بقي ابنُ الزبير مصلوباً
حتى مرّ به ابن عمر -رضي الله عنه- ودعا له، وقال: رحمك الله أبا خبيب لقد كنت
صواماً قواماً، ثم مر على أمّه أسماء، وقال لها: اصبري، فإنّ هذه الأجساد لا يضرها
ما يقع عليها بعد الموت، فذكرت أنها صابرة، وقالت: كيف لا أصبر ورأس يحيى بن زكريا
قدم لبغي من بغايا بني إسرائيل؟!، يعني من باب أولى أن تصبر على مثل هذا. [البداية
والنهاية 8/211]
- موقفه من افتراء الحجّاج على ابن الزبير:
5- موقف ابن عمر بعد موت يزيد
لمّا مات يزيد بن معاوية وحصل النّزاع على السلطان، جاء
أناس يعرضون على ابن عمر الملك، فقال رضي الله عنه: ما أحبّ أن الدّنيا دانت لي،
وأن يراق دم مسلم من أجلي، إذا كان يأتي الأمر عن طريق إجماع المسلمين فأنا لها،
وأسأل الله أن يعينني عليها، أما أن يكون أمرٌ يؤخذ مغالبة ومخاصمة فما أحب أن
تكون الخلافة لي، وأن تدين الدنيا كلها لي وتكون تحت طاعتي وأن يراق دم مسلم، فما
دام بين الأمة اختلاف فأنا أبتعد عن الملك ، فهلّا سمع ذلك الذين شاركوا في الدماء
يزعمون أنهم مع موقف عبدالله بن عمر!!! أين هم من كلام ابن عمر هذا؟
6- لقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول عن الفتن التي وقعت
في بني أمية من أجل الملك: إنما يقتتلون على الدنيا، فمن قال: حي على الصلاة، قلت
له: أجبتك، ومن قال: حي على قتل أخيك المؤمن، قلت: لا؛ بل نجتمع في الخير، ونفترق
في الشر. [السنن الكبرى للبيهقي (5180)]، ولهذا كان ابن عمر رضي الله عنهما يصلي
وراء الحجاج لكنه لم يقف إلى جواره وهو يقتل الصحابة والتابعين ويسفك دماء
المسلمين.. كما يقول الأفّاكون اليوم !
7- إن الذين يتمسكون بموقف ابن عمر لم ينقلوا لنا موقف
عبدالله بن عمر من الحجاج إلى النهاية فهل كان عبدالله بن عمر على الخط المستقيم
مع الظالم ؟ اللهم لا ، بل كان ابن عمر دائم الانكار عليه في كل ما لا يرضي الله
ورسوله وكان اذا رأى من الظالم إعراضا عن استماع النصيحة أو عدم انزجار بعدها كتب
إلى الخليفة عبدالملك بن مروان يشكو إليه واليه على مكة حتى ضجر الحجّاج بابن عمر
وأوعز في السرّ الى شرطي من شرطته فقتله يوم عيد المسلمين في الحرم وهو يطوف
بالبيت وقد حصلت المواجهة بين ابن عمر المقتول وبين الحجاج القاتل السفاك فعنفه
ابن عمر وزجره
8- كان ابن عمر دائم الانكار على الحجاج لأن الحجاج بعد أن
عتا وطغى وبغى وتجبر، كان عبد الله بن عمر يكتب إلى عبد الملك بن مروان يبين له
ظلم الحجاج ، فكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج : لا إمرة لك على عبد الله بن
عمر أينما كان، أي: كلما تلتقي به فأنت لست بأمير له
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق