(3)
حارس حدود الشرع المنزّل ..
الشورى حقّ للأمة يحرم مصادرته ومنازعتها إياه ، فما منحه
الله لا يمنعه مخلوق .. وقد قال عز وجل: "وأمرهم شورى بينهم" .. ولئن
كان النبي -الحاكم المعصوم، المؤيَّد بالوحي- مأمورًا بالعمل بالشورى في حكمه فكيف
بغيره ؟
ومن ثمّ انطلق المجتمع الإسلاميّ الأوّل في جميع أموره من
هذا المبدأ، بداية من اختيار حاكمه حتى أصغر شئونه، على نحو ما قال آخر الراشدين
عليّ بن أبي طالب: (أيها النّاس، إنما الأمير من أمّرتموه والخليفة من اخترتموه)،
[تاريخ الطبري (2/696)] فعزّ المجتمع -بخلفائه الراشدين- وعلا شأنه وارتفع..
ثم خلفهم أقوامٌ زعموا الملك حقًّا لا ينازَعون فيه، فكان
الوهن، يوم ابتليت الأمة بدعاوى الأمويين والعباسيين والعلويين، الذين اتخذوا
الحكم حكرًا وتداولوه إرثًا !
كان يزيد بن معاوية أول خليفة -والصحيح التعبير بالملك- يصل
للحكم عن طريق الوراثة
وقد ألممنا في الحلقة (2) بما كان من أمر عبدالله بن عمر من
معارضة ذلك وقيادة المدينة النبوية -ومعه الصحابة الحسين وابن أبي بكر وابن
الزبير- إلى عدم الرضا بهذا الأمر رغم أن السيف كان ينتظرهم ، حتى إنه وقف يقول
للخليفة -معاوية-:
(إنه قد كانت قبلك خلفاء لهم أبناء ليس ابنك بخير من
أبنائهم ، فلم يروا فِي أبنائهم ما رأيت أنت فِي ابنك ، ولكنهم اختاروا للمسلمين
حيث علموا الخيار ، وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين وأن أسعى فِي فساد ذات بينهم
، ولم أكن لأفعل ، إنما أنا رجل من المسلمين ، فإذا اجتمعوا عَلَى أمر فإنما أنا
رجل منهم). [تاريخ خليفة بن خياط (ص 213 و 214)]
رفض ابن عمر -كغيره من فقهاء الصحابة - تلك الحيل في تأويل
النصوص الشرعية لأجل تحقيق مصلحة خاصة .. وتمسكوا بما فهموه وسبق أن طبقه الخلفاء
الراشدون وهو أن الأمر للأمة تختار من ترتضيه لقيادتها... غير أنّ معاوية -رضي
الله عنه- مضى في طريقه وما أراد بقوة الحكم والسلطة فما كان من ابن عمر إلا أن
اعتزم الإعراض ، بعد أن أدى ما عليه ، فقد بلّغ كما أمر ، وجهر حتى أسمع ، وعارض
كما ينبغي، فأدّى الأمانة كما وجبت عليه ، كفقيه من الفقهاء وعالم من علماء
الإسلام .. ومع ذلك ما كان يرى ذلك بمقنع له.
خطب معاوية فقال: "من كان يريد أن يتكلم في هذا الأمر
فليطلع لنا قرنه فلنحن أحق به منه ومن أبيه".
قال حبيب بن مسلمة -أي لعبد الله بن عمر-: فهلا أجبته ؟ قال
عبد الله: فحللت حبوتي وهممت أن أقول أحق بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على
الإسلام فخشيت أن أقول كلمة تفرق بين الجمع وتسفك الدم ويحمل عني غير ذلك فذكرت ما
أعد الله في الجنان قال حبيب حفظت وعصمت. [انظر صحيح البخاري (3882) دار ابن كثير
ط 1414هـ / 1993م]
ومع هذا لما بايع الناس يزيد أمسك عبدالله فلم يبايع ، حتى
رأى النّاس جميعًا بايعوا
بعث الوليد -أمير يزيد على المدينة- إلى عبد الله بن عمر
فقال: بايع ليزيد، فقال: إذا بايع الناس بايعت، فقال رجل: إنما تريد أن يختلف
الناس ويقتتلون حتى يتفانوا، فإذا لم يبق غيرك بايعوك ؟ فقال ابن عمر: لا أحب
شيئًا مما قلت، ولكن إذا بايع الناس فلم يبق غيري بايعت.
"فلم يبايع ابن عمر حينها انتظارًا لما تجمع عليه
الأمة إذ الحق حقها ، فلما جاءت البيعة من الأمصار ليزيد بايعه وبايعه ابن
عباس". [البداية والنهاية (8/158)]
رحم الله ابن عمر -ما أكثر ما افتُري عليه-
"لقد نطق بالحق إذ خشي الناس وما هو بالهيّاب لسيف ولا
حربة
"ووقف على حدود الشريعة يقذف من أراد تجاوزها على قدر
طاقته
"وعارض الحيف عن مبادئ الدين وسنن الراشدين وبشّعه
للناس
"ولما لم يستقم له من أراده على الحق ما اصطفّ إلى
جواره بل فارق جبهته
رحم الله بن عمر ومن مضى على طريقه إلى يوم الدين
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق