(6)
على الحق حتى الموت
من أعظم الافتراءات على الحقيقة شيوعًا: الابتسار والاجتزاء؛
وذلك بأن يعمد المستدل إلى جزء من الحدَث أو الموقف فيورده في كلامه مستدلا به، دونما
الإشارة إلى بقية أجزائه التي ربّما تقلب استدلاله ذاك عليه، وهذا ما حدث مع عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، فلو
أن المفترين نظروا إلى جميع مواقفه واستخلصوا منها رأيه أو منهجه لكان
حريًّا أن يكون رأيهم صوابًا ، فالذين يستمسكون بموقف ابن عمر من الحجاج
وعدم الخروج عليه وقتاله لم ينقلوا لنا موقفه
منه إلى النهاية؛ هل كان على
الخط المستقيم معه ؟ وهل كان يدعم مواقفَه، أم كان دائم الانكار عليه في كل ما لا يرضي الله ورسوله، وكان في
صدام دائم معه إذ رآه يعتدى على الدين
ويتعدى حدود الله في العالمين؟ ولو أنهم قرأوا سيرة ابن عمر ووقفوا على نهاية حياته كيف كانت وكيف ختمت لم
يجرؤوا على قول ما قالوا ...
فلم يكن الحجّاج بن يوسف ليقتل ابن عمر إذا كان هو المساند المؤيد المستأنس بل قتله لأنه لم يكن مستأنسا مستكينا لظلمه ، فأوعز في السرّ الى شرطي من شرطته فقتله يوم عيد المسلمين في الحرم وهو يطوف بالبيت الحرام !!
وكان سبب قتل الحجاج له أن الحجاج بن يوسف لما قتل ابن الزبير أمر بخشبة فصلبه عليها، فلما صلب أقبلت أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق إلى الخشبة فعانقتها وجلست تبكي وتقول: واغوثاه يا الله ما أعظم ما نزل بنا بعدك يا محمد يا رسول الله، لو تدرك ما نزل بعدك بأصهارك وأرحامك وأبناء المهاجرين لرأيت عظيمًا، اللهم فبلّغ عنا نبيك صلى الله عليه وسلم في عظيم ما نزل بنا".
فأخبروا بمقالتها عبدَالله بن عمر فبكى حتى كادت نفسه تفيض، ثم قال لابنه سالم: قدني إليها -وكان قد كبرت سنه وكان يرعش من الكبر وكان قد عمر- فقاده ابنه سالم إليها، فلما أشرف على الخشبة نظر إليه مصلوبًا فقال ابن عمر:
"قد كنت نهيتك عن مثل هذا يا أبا خبيب يا أخي فلم تنته، مع ما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا ينبغي لمؤمن أن يذلّ نفسه، فقلت: يا رسول الله كيف يذلّ نفسه؟ قال: لا يعرض نفسه لمن لا يقوى عليه فذلك ذلّ نفسه".
وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليقتلني أمير جائر على طاعة الله أحبُّ إليَّ من أن أموت مجاهدًا في سبيل الله".
فأتى شقيٌّ من أشقياء هذه الأمة فبلّغ ذلك إلى الحجّاج بن يوسف، فأبلغ منه قول ابن عمر كل مبلَغ وقال: أسرجوا لي، فركب إلى خشبة ابن الزبير، فأصاب أمّه عندها وعبد الله بن عمر وابنه سالم .
فقال الحجاج: يا أسماء إن ابنك جبل من جبال العرب وإنه سابقني إلى أمر وإنه سبقني إليه فوضعته في مكان مثله، ولو نال الذي نلت لكنت أنا مكانه، فهذا أجلّ من البكاء، وليس مثله يبكى عليه، وأما ما بلغني عن ذكرك ما حل بآل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصهاره وأرحامه، فنعوذ بالله من ذلك، إلا من سمى إلى ما سمى إليه ابنك، فلا بد لنا من أن نقارعه، فإمّا لنا وإما علينا، فلا نأسف على أمر فعله الله بنا؛ فإنه يحكم في خلقه بما يشاء".
فقال لها ابن عمر قومي واقبلي منه، فقامت ولم تكلّمه، وانصرف ابن عمر إلى منزله فدعا الحجّاج برجاله فقال لهم:
إن ابن عمر قال عند خشبة ابن الزبير: "ليقتلني أمير جائر على طاعة الله خير من أن أموت بالسيف مجاهدا في سبيل الله". فقد كشف لنا ما هو عليه، وهو ابن خليفة وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخاف إن خرجنا عنه أن يستحلّ منّا ما استحلّ ابن الزبير وعلماء العراق.
قالوا: الرأي فما ترى؟ قال: نقتله .
فلم يكن الحجّاج بن يوسف ليقتل ابن عمر إذا كان هو المساند المؤيد المستأنس بل قتله لأنه لم يكن مستأنسا مستكينا لظلمه ، فأوعز في السرّ الى شرطي من شرطته فقتله يوم عيد المسلمين في الحرم وهو يطوف بالبيت الحرام !!
وكان سبب قتل الحجاج له أن الحجاج بن يوسف لما قتل ابن الزبير أمر بخشبة فصلبه عليها، فلما صلب أقبلت أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق إلى الخشبة فعانقتها وجلست تبكي وتقول: واغوثاه يا الله ما أعظم ما نزل بنا بعدك يا محمد يا رسول الله، لو تدرك ما نزل بعدك بأصهارك وأرحامك وأبناء المهاجرين لرأيت عظيمًا، اللهم فبلّغ عنا نبيك صلى الله عليه وسلم في عظيم ما نزل بنا".
فأخبروا بمقالتها عبدَالله بن عمر فبكى حتى كادت نفسه تفيض، ثم قال لابنه سالم: قدني إليها -وكان قد كبرت سنه وكان يرعش من الكبر وكان قد عمر- فقاده ابنه سالم إليها، فلما أشرف على الخشبة نظر إليه مصلوبًا فقال ابن عمر:
"قد كنت نهيتك عن مثل هذا يا أبا خبيب يا أخي فلم تنته، مع ما إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا ينبغي لمؤمن أن يذلّ نفسه، فقلت: يا رسول الله كيف يذلّ نفسه؟ قال: لا يعرض نفسه لمن لا يقوى عليه فذلك ذلّ نفسه".
وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ليقتلني أمير جائر على طاعة الله أحبُّ إليَّ من أن أموت مجاهدًا في سبيل الله".
فأتى شقيٌّ من أشقياء هذه الأمة فبلّغ ذلك إلى الحجّاج بن يوسف، فأبلغ منه قول ابن عمر كل مبلَغ وقال: أسرجوا لي، فركب إلى خشبة ابن الزبير، فأصاب أمّه عندها وعبد الله بن عمر وابنه سالم .
فقال الحجاج: يا أسماء إن ابنك جبل من جبال العرب وإنه سابقني إلى أمر وإنه سبقني إليه فوضعته في مكان مثله، ولو نال الذي نلت لكنت أنا مكانه، فهذا أجلّ من البكاء، وليس مثله يبكى عليه، وأما ما بلغني عن ذكرك ما حل بآل محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصهاره وأرحامه، فنعوذ بالله من ذلك، إلا من سمى إلى ما سمى إليه ابنك، فلا بد لنا من أن نقارعه، فإمّا لنا وإما علينا، فلا نأسف على أمر فعله الله بنا؛ فإنه يحكم في خلقه بما يشاء".
فقال لها ابن عمر قومي واقبلي منه، فقامت ولم تكلّمه، وانصرف ابن عمر إلى منزله فدعا الحجّاج برجاله فقال لهم:
إن ابن عمر قال عند خشبة ابن الزبير: "ليقتلني أمير جائر على طاعة الله خير من أن أموت بالسيف مجاهدا في سبيل الله". فقد كشف لنا ما هو عليه، وهو ابن خليفة وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخاف إن خرجنا عنه أن يستحلّ منّا ما استحلّ ابن الزبير وعلماء العراق.
قالوا: الرأي فما ترى؟ قال: نقتله .
قالوا: أيها الأمير اجعل لقتله سببًا تحتجّ به على الناس،
قال: ائتوني به، فأتوه به، فأتى ابنُ عمر ومعه ابنه سالم، فسلّم فقال له
الحجّاج: اجلس يا شيخ، فجلس، ثم قال الحجّاج: ائتوني برجل من السجن، فأتوه به
ثم قال: هاتوا السيف فأتوه به، ثمّ قال: يا سالم بن عبد الله بن عمر خذ
هذا السيف فاضرب عنق هذا.
وإنّما أراد الحجاج أن يقول ابن عمر لابنه: لا تفعل فيقول: أنا إمام أمرت بأمر وتنهى أنت عنه؟ ثم يقول: خذوه، فعرف ابنُ عمر ما أراد، فأمسك.
فأخذ سالم السيف فهزّه، ثم تقدّم إلى الرجل الأسير فقال له: مد عنقك، فمدّ الرجل، فقال له سالم: يا رجل أزنيت بعد إحصان؟
قال الرجل: لا ما فعلت
قال له: فرجعت عن الإسلام؟
قال الرجل: لا ما فعلت
قال له سالم: أقتلت نفسًا بغير نفس؟
قال الرجل: لا ما فعلت
قال سالم: يا حجاج سمعت أبي -وهو يسمع ما أقول- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرئ مؤمن يقتل إلا عن ثلاث خصال: يزني بعد إحصان، أو يرتدّ عن الإسلام، أو يقتل نفسًا مؤمنة بغير نفس"
فليس في هذا الرجل شيئًا من هذا فلم تقتله؟ قال الحجاج: اضرب عنقه كما أقول لك، فقال سالم للرجل: مدّ عنقك فمد الرجل عنقه
فقال له سالم: يا أخي أصليت الغداة ركعتي الفجر؟
قال الرجل: نعم قد صليت.
قال سالم: يا حجّاج سمعت أبي -وهو يسمع ما أقول- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى ركعتي الفجر كان في ذمة الله وذمة رسوله حتى تتوارى بالحجاب". يا حجّاج كيف تقتل رجلًا وهو في ذمة الله ؟
قال الحجاج: يا سالم ضع السيف من يدك، فدعا رجلًا شقيًّا من أشقياء هذه الأمة فقال له: اضرب عنق هذا، فضرب عنقه فقتله، فقال الحجّاج لسالم: اسحبه حتى تخرجه، فأخذ سالم برجل القتيل يجرّه وهو يقول: يا أخي سحبك أهون علي من قتلك وأنا شاهد لك غدًا يوم القيامة أنك مظلوم.
فقام عبد الله بن عمر وهو يحمد الله حتى خرج فنادى: يا معشر المسلمين ائتوني بسالم ابني، فأتوه به، فقال له ابن عمر: يا سالم ادن مني حتى أقبلك يا بني إنّما سميتك سالمًا لتسلم فاسلم من الدنيا يا بني تغنم ثم قال: يا بني قدني، فقاده إلى داره.
فقال الحجّاج: هذا أعظم مما كان منّا، إنّما عمَدنا إلى جبل الإسلام وحاجب محمد ومن عرضت عليه الخلافة فلم يقبلها ومن حجّ أربعين حجة ومن سمّته قريش حمامة البيت وقدرُه في العرب ما قد علمتم وحب الأوس والخزرج لأبيه، فلست أرى له بعد ما حضر عندي من أمر هذا القتيل أن أدعه بعدي في هذه البلاد.
فقيل له: أيها الأمير اقتله قتلة تبرّئ نفسَك منه عند العامّة لكي لا يشتمل علينا في الفتنة !! فبعث الحجاج إلى غلام له يوم الجمعة -وكان ابنُ عمر يهجر إلى الجمعة في وقت الضحى- فأمر الحجّاج غلامَه أن يركب فرسًا جسامًا وأمره أن يطحنه بالفرس ويقتله، فركب الغلامُ الفرسَ، فنظر إلى ابن عمر وهو ساير يوم الجمعة، فحمل عليه بالفرس حتى إذا بلغ إليه صدمه فأقلبه ورضَّـه رضًّـا.
فبادر النّاس إليه، وقالوا: يا غلام أهلكتَ المسلمين في علمهم، فطلبك الله به.
وأقام الحجاجُ ينتظر موتَه فأبطأ ذلك عليه، فلما رأى ذلك، عمَد إلى زجّ فسمّه سمّا ناقعًا وجعله في عصًا ودفعه إلى بعض رجاله، وقال له: امض إلى ابن عمر فأقرئه سلامي، وقل له: يقول لك الأمير: ما فعلتَ في علَّتك، واحذر أن تمسَّ بهذا الزج شيئًا حتى تدخل إليه فقد تركتُ برأسه نارًا، فإذا سلمتَ عليه وبلّغتَ كلامي فضعِ السّنّ على ظهر قدمه واتّكئ عليه حتى يدخل، فإن قال لك: أهلكتني، فقل له: ما علمت أن رجلك ههنا.
فدخل عليه الرسول فأقرأه سلامه، وجعل الزجَّ على ظهر قدمه حتى دخل في رجله فجرحه جرحًا قبيحًا، فقال له ابن عمر: يا رجل خَفِ الله فقد والله أهلكتني، فقال الرجل: ما علمت -أبقاك الله- أنّ رجلَك ههنا ثمّ خرج عنه فاشتعل جسدُ ابن عمر سمًّا، فأقام ثلاثة أيام فمات رحمه الله. [المحن للحافظ أبي العرب التميمي ص 225-229]
روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير قال: كنت مع ابن عمر حين أصابه سنانُ الرّمح في أخمص قدمه، فلزقت قدمُه بالركاب فنزلت فنزعتها وذلك بمنى فبلغ الحجّاج فجعل يعوده فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك فقال ابن عمر: أنت أصبتني، قال: وكيف؟ قال حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه وأدخلتَ السّلاح الحرمَ ولم يكن السّلاح يدخل الحرم. [البخاري 918]
وإنّما أراد الحجاج أن يقول ابن عمر لابنه: لا تفعل فيقول: أنا إمام أمرت بأمر وتنهى أنت عنه؟ ثم يقول: خذوه، فعرف ابنُ عمر ما أراد، فأمسك.
فأخذ سالم السيف فهزّه، ثم تقدّم إلى الرجل الأسير فقال له: مد عنقك، فمدّ الرجل، فقال له سالم: يا رجل أزنيت بعد إحصان؟
قال الرجل: لا ما فعلت
قال له: فرجعت عن الإسلام؟
قال الرجل: لا ما فعلت
قال له سالم: أقتلت نفسًا بغير نفس؟
قال الرجل: لا ما فعلت
قال سالم: يا حجاج سمعت أبي -وهو يسمع ما أقول- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحل لامرئ مؤمن يقتل إلا عن ثلاث خصال: يزني بعد إحصان، أو يرتدّ عن الإسلام، أو يقتل نفسًا مؤمنة بغير نفس"
فليس في هذا الرجل شيئًا من هذا فلم تقتله؟ قال الحجاج: اضرب عنقه كما أقول لك، فقال سالم للرجل: مدّ عنقك فمد الرجل عنقه
فقال له سالم: يا أخي أصليت الغداة ركعتي الفجر؟
قال الرجل: نعم قد صليت.
قال سالم: يا حجّاج سمعت أبي -وهو يسمع ما أقول- أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى ركعتي الفجر كان في ذمة الله وذمة رسوله حتى تتوارى بالحجاب". يا حجّاج كيف تقتل رجلًا وهو في ذمة الله ؟
قال الحجاج: يا سالم ضع السيف من يدك، فدعا رجلًا شقيًّا من أشقياء هذه الأمة فقال له: اضرب عنق هذا، فضرب عنقه فقتله، فقال الحجّاج لسالم: اسحبه حتى تخرجه، فأخذ سالم برجل القتيل يجرّه وهو يقول: يا أخي سحبك أهون علي من قتلك وأنا شاهد لك غدًا يوم القيامة أنك مظلوم.
فقام عبد الله بن عمر وهو يحمد الله حتى خرج فنادى: يا معشر المسلمين ائتوني بسالم ابني، فأتوه به، فقال له ابن عمر: يا سالم ادن مني حتى أقبلك يا بني إنّما سميتك سالمًا لتسلم فاسلم من الدنيا يا بني تغنم ثم قال: يا بني قدني، فقاده إلى داره.
فقال الحجّاج: هذا أعظم مما كان منّا، إنّما عمَدنا إلى جبل الإسلام وحاجب محمد ومن عرضت عليه الخلافة فلم يقبلها ومن حجّ أربعين حجة ومن سمّته قريش حمامة البيت وقدرُه في العرب ما قد علمتم وحب الأوس والخزرج لأبيه، فلست أرى له بعد ما حضر عندي من أمر هذا القتيل أن أدعه بعدي في هذه البلاد.
فقيل له: أيها الأمير اقتله قتلة تبرّئ نفسَك منه عند العامّة لكي لا يشتمل علينا في الفتنة !! فبعث الحجاج إلى غلام له يوم الجمعة -وكان ابنُ عمر يهجر إلى الجمعة في وقت الضحى- فأمر الحجّاج غلامَه أن يركب فرسًا جسامًا وأمره أن يطحنه بالفرس ويقتله، فركب الغلامُ الفرسَ، فنظر إلى ابن عمر وهو ساير يوم الجمعة، فحمل عليه بالفرس حتى إذا بلغ إليه صدمه فأقلبه ورضَّـه رضًّـا.
فبادر النّاس إليه، وقالوا: يا غلام أهلكتَ المسلمين في علمهم، فطلبك الله به.
وأقام الحجاجُ ينتظر موتَه فأبطأ ذلك عليه، فلما رأى ذلك، عمَد إلى زجّ فسمّه سمّا ناقعًا وجعله في عصًا ودفعه إلى بعض رجاله، وقال له: امض إلى ابن عمر فأقرئه سلامي، وقل له: يقول لك الأمير: ما فعلتَ في علَّتك، واحذر أن تمسَّ بهذا الزج شيئًا حتى تدخل إليه فقد تركتُ برأسه نارًا، فإذا سلمتَ عليه وبلّغتَ كلامي فضعِ السّنّ على ظهر قدمه واتّكئ عليه حتى يدخل، فإن قال لك: أهلكتني، فقل له: ما علمت أن رجلك ههنا.
فدخل عليه الرسول فأقرأه سلامه، وجعل الزجَّ على ظهر قدمه حتى دخل في رجله فجرحه جرحًا قبيحًا، فقال له ابن عمر: يا رجل خَفِ الله فقد والله أهلكتني، فقال الرجل: ما علمت -أبقاك الله- أنّ رجلَك ههنا ثمّ خرج عنه فاشتعل جسدُ ابن عمر سمًّا، فأقام ثلاثة أيام فمات رحمه الله. [المحن للحافظ أبي العرب التميمي ص 225-229]
روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير قال: كنت مع ابن عمر حين أصابه سنانُ الرّمح في أخمص قدمه، فلزقت قدمُه بالركاب فنزلت فنزعتها وذلك بمنى فبلغ الحجّاج فجعل يعوده فقال الحجاج: لو نعلم من أصابك فقال ابن عمر: أنت أصبتني، قال: وكيف؟ قال حملت السلاح في يوم لم يكن يحمل فيه وأدخلتَ السّلاح الحرمَ ولم يكن السّلاح يدخل الحرم. [البخاري 918]
وفي كتاب الصريفيني ما هو أصرح في اتهام ابن عمر للحجاج قال:
لما أنكر عبد الله على الحجاج نصب المنجنيق، يعني على الكعبة، وقتل عبد الله بن
الزبير، أمر الحجاج بقتله، فضربه رجل من أهل الشام ضربة، فلما أتاه الحجاج يعوده
قال له عبد الله: تقتلني ثم تعودني؟ كفى الله حكمًا بيني وبينك. فصرّح أنه أمر
بقتله، وأنه قاتله. [فتح الباري (3/387)] قال الشوكاني: وَصُدُورُ مِثْلِهَا
غَيْرُ بَعِيدٍ مِنْ الْحَجَّاجِ فَإِنَّهُ صَاحِبُ الْأَفَاعِيلِ الَّتِي تَبْكِي
لَهَا عُيُونُ الْإِسْلَامِ وَأَهْلُهُ [نيل الأوطار (2/ 339)]
وكان ابن عمر على فراش الموت يقول: ما آسى من الدنيا إلا على
ثلاث: ظمأ الهواجر ومكابدة الليل وألا أكون قاتلت هذه الفئة الباغية التي حلّت
بنا، قال الامام
الذهبي : يعني الحجّاج .. [الطبقات لابن سعد (4/185)، والسير للذهبي (3/231)]
وهذا مما يفتح الباب على مصراعيه للسؤال الكبير : لماذا
يبتسر هذا الجزء من سيرة ابن عمر رضي الله عنه لدى من يتحدثون في اعتزال الفتن
ويستشهدون بموقفه وتراجع ابن عمر وتندمه على اعتزاله الفتنة والقعود عن نصرة أهل
الحق فيها أمر ثابت عند العلماء ، قال ابن عبد البر: " وكان رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ لورعه قد أشكلت عَلَيْهِ حروب علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وقعد عَنْهُ،
وندم على ذَلِكَ حين حضرته الوفاة " أهـ [الاستيعاب (3/951)]
سلام على ابن عمر في الخالدين
سلام على ابن عمر في العالمين
سلام عليك يا عبد الله في جنات النعيم
سلام على ابن عمر في الخالدين
سلام على ابن عمر في العالمين
سلام عليك يا عبد الله في جنات النعيم
سلام على ابن عمر في سادة الشهداء القائلين بالحق الصادعين
به في وجه الحكّام الظالمين، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق