الأحد، 1 فبراير 2015

عبدُالله بن عمر المفترَى عليه (2- 6)


(2) صورة الثائر ...

لم يكن أحد من الصحابة رضوان الله عليهم خوّارًا ، فضلًا عن الوقوف إلى جوار الباطل والتخلّي عن مناصرة الحق ! كيف ؟ وهم حواريو رسول الله الذين ناصروه وأيدوه ! وهم مبايعوه على ما اشترطه عليهم : (أَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لا تَأْخُذُكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لائِمٍ).

ومن هؤلاء الصحب الكرام عبدالله بن عمر رضي الله عنه .. وقد زاده على قول الحق إصرارًا أنه ابن عمر ! تربية عمر بن الخطاب الرجل الذي كان فرقانًا بين الحقّ والباطل، وعلى ذلك ربى أبناءه .

فهل هذا كلام إنشاء ؟
كلا ؛ إنّ مواقف الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما تنطق كلها بأنه رجل شجاع قوّال بالحق ناصح للحكام .. مستعلنٌ بالجهر - على ملأ الناس - بنصيحة هؤلاء الحكام بالخير وزجرهم عن ارتكاب الظلم والإثم، فضلا عن إعلانه مفارقتهم ورفضه مشاركتهم الإثم .. إلى مشاركة الثائرين على إرادة هؤلاء الحكام الشر وطلبهم المنكر فيثور ابن عمر هو الآخر حتى يرجع الحقُّ إلى أهله ويئوب الحاكم المتجاوز إلى حده ..

وتأمل معي هذه المواقف للصحابي الجليل:

(1) موقف ابن عمر من بيعة يزيد بن معاوية
بدا للخليفة معاوية رضي الله عنه أن يولي ابنه يزيد الخلافة من بعده، رائيًا أن ذلك أنسب للناس من تركهم بلا خليفة ؛ فيتنازعون ويختلفون ويتفرقون !
وقال يوضّح ذلك: (إني خفت أن أذر الرعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع) [البداية والنهاية للحافظ ابن كثير (11/308) عالم الكتب 1424هـ / 2003م] وطبعا كان من أسرع النّاس لتلبية هذه الدعوة أهل دمشق - عصبة الأمويين وجندهم في كل نازلة ... وكذلك توافدت بعض الوفود من نواح تؤيد هذه البيعة
إلا أن أهل المدينة النبوية رفضوا البيعة ليزيد من بعد معاوية؛ لما رأوا فيها افتئاتًا على حق الأمة في اختيار خليفتها بشورى بين أفرادها وعن رغبة واختيار ورضى من مجموعها
وكان على رأس المعارضين في المدينة يقود أهلها لرفض هذه الدعوة الصحابة الأجلاء: عبدالله بن عمر وعبدالله بن عباس وعبدالله بن الزبير وعبدالرحمن بن أبي بكر والحسين بن علي بن أبي طالب

وقد أرسل معاوية ابن أبي سفيان مرارًا إلى أهل المدينة يأخذ منهم البيعة ليزيد، وأهل المدينة يرفضون رفضًا تامًّا ، حتى قرر معاوية أن يذهب إليهم بنفسه ليناقش رؤساء المعارضة في ذلك ؛ (العبادلة الثلاث، ومعهما عبدالرحمن بن أبي بكر والحسين بن علي) إلا أنهم جميعًا حينما سمعوا بقدومه إلى المدينة فحين اقترب هو منها خرجوا هم إلى مكة حتى لا يلتقوه ، ولما وصل معاوية إلى المدينة خطب فيهم وقال:"قد بايعنا يزيد فبايعوه"، فلم يستجب له أحد ولم يرد عليه أحد، فتوجه إلى مكة. (تاريخ الخلفاء للحافظ السيوطي (1/173) مطبعة السعادة، 1371هـ - 1952م)
فلما أكمل نسك الحج، ابتدأ بعبد الله بن عمر أولاً، ثم ببقية أصحابه الأمر الذي انتهى بإصرارهم على رفضهم أن يكون يزيد بن معاوية حاكمًا للأمة بعد أبيه ... وبينوا سبب رفضهم بأنهم لا يوافقوا أن تكون الخلافة كسروية أو هرقلية كلما مات خليفة تولى ابنه بعده!!

لقد كان ابن عمر رضي الله عنه -ومعه أصحابه ابنا الزبير وأبي بكر والحسين- يقودون معارضة رأي الخليفة في ذلك الاتجاه وهم يعلمون العاقبة التى ربما يؤول إليها أمرهم وهي القتل، لا سيما وأن الاتجاه المؤيد لرأي الخليفة كان لا يفتأ يشير بهذه المشورة المعتوهة في أمر هؤلاء المعارضين .. وإليك هذين المثالين:

أ- في هذه السنة -51 للهجرة- أرسل الخليفة معاوية إلى البلدان بأن يفد إليه الناس، فكان ممن أتى: وفد أهل الشام ووفد أهل البصرة ، فكان فيهم يزيد بن المقنع الذي لم يأل يقول للخليفة لما شاورهم في أمر يزيد: (أمير المؤمنين هذا (وأشار إلى معاوية)، فإن هلك فهذا (وأشار إلى يزيد)، فمن أبى فهذا (وأشار إلى السيف).

ب- وكذا لما وردت الأنباءُ إلى عاصمة الخلافة الأموية بأن زعماء معارضة المدينة وعلى رأسهم عبدالله بن عمر رضي الله عنه يرفضون بيعة يزيد طلبوا من الخليفة معاوية أن يأمرهم بإعلان البيعة أو ضرب أعناقهم ! [الكامل لابن الاثير 3/ 215) ]
لقد كان ابن عمر في هذه المعارضة ينتظره السيف ، لكنّه لم يأبه لذلك لأنه لم يكن ليخاف على نفسه في كلمة حقٍّ يقولها لله لا يخاف في ذات الله أحدًا ولا يخشى لومة لائم ..

حاول ابن عمر وصحبه بما أوتوا من سعة وحيلة وأظهروا كلمتهم بحجة وبرهان، لكن ذهبت محاولاتهم ومعها إرادة أهل المدينة والأمصار هباء ، أدراج الرياح أمام تعنت السلطان وقوة الحاكم الذي أنفذ ما أراد على رغم وكره من الأمة بغير رضى ولا اختيار منها ظانًّا أنه يحفظها بذلك من الشتات !
فما كانت إلا أيام حتى قضى هو ورحل إلى ربه وترك من ورائه ولده لا يسدّ في مقامه ولا يغنى من أمره فتفرّقت الأمّة بين يديه أيادي سبأ

وهكذا كان رأي ابن عمر -وهو الذي جاءت به نصوص الشريعة وارتآه المسلمون وعلى رأسهم أهل المدينة في القمّة منهم الصحابة- الحق الذي ندم الجميع على إغضاء الطرف وسد الآذان عن سماعه ، ولات حين مندم !
ليحق الشطر الثاني من كلام ابن عمر حين رأى السلطان ماضيا بقوة الملك فيما رآه دون أن يسمع لكلام أحد فقال: (إن كان خيراً رضينا، وإن كان بلاء صبرنا)، [الطبقات الكبرى لابن سعد (4/182) دار صادر - بيروت] فكان البلاء لكن الناس عليه لم يصبروا وحدثت الفتن بسبب التي مزقت الأمة من بعد ذلك وأوهنت قواها نتيجة هذا التعدى على صريح نصوصها المتلوّة المجلوّة مما لازلنا نعاني منه إلى اليوم.

لقد أدّى ابن عمر رسالته على قدر وسعه وطاقته ؛ لئلا يشارك بصمته وسكوته في ظلم أو حيف أو انحراف عن سنة رسول الله وخلفائه من بعده.
فأين ذلك من ادعاءات المدّعين ؟

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق