السبت، 31 يناير 2015

صفعات قادت إلى الخيرات (2)

العالم الذي ألهمه اللصوصُ مفتاحَ العلم
عشت خلال هذه الرحلة مع علماء ودعاة في قلب التاريخ، ومع أمثالهم في قلب الحدَث، اجتزتُ بحورَ الزمن إلى أبي حامد الغزالي، أحد أعلام عصره وأحد أشهر علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري، وصحبته في السفر من طوس إلى (جرجان)؛ لسماع دروس الإمام (أبو نصر الإسماعيلي)، وفي أثناء عودتنا إلى بلدته (طوس) قطع اللصوصُ علينا الطريق، وأخذوا من (أبي حامد) مخلته التي فيها كتبه وكراريسه؛ ظنًّا منهم أن فيها نقودًا ومتاعًا، وساروا في طريقهم، فتبعهم (أبو حامد) وأخذ يلحّ عليهم أن يعطوه أوراقه وكتبه التي هاجر من أجلها ومعرفة ما فيها؛ فضحك كبير اللصوص وقال له: كيف تزعم أنك عرفت علمها وعندما أخذناها منك أصبحتَ لا تعلم شيئًا وبقيت بلا علم؟!
ولكنه أشفق عليه آخرًا وسلمه الكتب.
وكان هذا درسًا عظيمًا لأبي حامد الغزالي، فعندما وصل إلى "طوس" مكث ثلاث سنوات يحفظ ما كتب في هذه الأوراق، حتى لا يتعرض علمه للضياع مرة أخرى.
وبهذا كان للأمّة عالم من فحول العلماء اتّفق كثير من علماء الأمة على تلقيبه بحجة الاسلام، والبركة في علمه تعود إلى (صفعة من لصّ) !
 

 الطالب الذي نقره ديك فصيّره عالمًا !
وانتقلت عبر بوابة التاريخ سريعًا أتنقّل بين أحياء القاهرة، تحديدًا في حيّ حدائق القبة عند شارع مصر والسودان، لأتوقّف عند مسجد من المساجد العامرة في ستينات القرن الماضي، يسمّى "عين الحياة"، وإمامه إذ ذاك فضيلة الشيخ عبد الحميد كشك، العالم الذي كان له بالغ التأثير في النّاس بحسن وعظه، ومتانة لفظه، وجرأته في الصدع بالحق.
هاهم تجّار الكتب يعرضون ألواناً شتّى من الكتب الدينية أمام المسجد، والشباب يطوفون حولهم وينتقون ما يعجبهم من عناوينها، لمحت أحدهم يطأطيء على كتاب ويتناوله بيده، ويقلب صفحاته، ثم أرجعه إلي مكانه، وقد بدا عليه الأسى والأسف؛ كأن الكتاب كان باهظ الثمن لمثله، وكان الكتاب إذ ذاك بثلاثين قرشا! وهذه الثلاثون ثروة لا يملكها "حجازي" الطالب الفقير، فمضى يتجوّل بين بائعي الكتب، حتى وقف علي كتاب لطيف الحجم وهو مختصر الكتاب السابق، فبدت على أساريره الفرحة، ولم يتردد في شرائه وكان ثمنه خمسة قروش فقط، فتح عيني الطالب على نوعيةة جديدة من القراءة تفرّق بين صحيح الأحاديث وضعيفها ولفتت انتباهه للاهتمام بهذه النوعية من الكتب.
استمر الطالب "حجازي" يتردد على مسجد "عين الحياة" يسمع خطب الشيخ كشك، حتى كان يوم من الأيام وذكر الشيخ على المنبر حديثًا عن النبى صلي الله عليه وسلم قال: "إنّ الله يتجلي يوم القيامة للناس عامّة، ويتجلّي لأبى بكر الصديق خاصة".
فشكّ الطالب فى صحة الحديث وسأل نفسه: ترى! هل هو صحيح أم لا؟ ولما رجع إلى منزله بحث عنه، وكذلك بحث في كتب المكتبة التى يرتادها فعلم أنه حديث ضعيف، فأتى الشيخ فى درسه بين المغرب والعشاء، وسارّه قائلا: إنَّ الحديث الذى ذكرتموه في الجمعة الماضية - وهو حديث كذا - موضوع.
فسأله الشيخ عن العلة فى وضع الحديث فلم يكن عنده جواب، فقال له موجّهًا: يابنى! تعلّم قبل أن تعترض
فمشى من أمامه مستخذياً؛ كأنما ديكٌ نقره!
وخرج من مسجد "عين الحياة" ولديه من الرغبة في دراسة علم الحديث ما يجلُّ عن تسطير وصفه البنان، ويضيق العطن، ويكل عن نعته اللسان، واجتهد في هذا الباب حتى صار بعد هذا أدرى الناس في مصر بأمر الحديث وعلله وصار هو الشيخ "أبو إسحاق الحويني".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق