السبت، 31 يناير 2015

صفعات قادت إلى الخيرات (1)

لفتت انتباهي ظاهرةٌ في سير العلماء والدعاة، جمعتُ شواهد لها من مواقف لبعضهم كانت سببًا في توجيههم إلى ساحة العلم والمنافسة فيه حتى صاروا أئمة و دعاة، وربما لم يكن يخطر لهم هذا ببال ..
وقد كتبت عن هذا في الماضي كتابًا لطيفًا وعنونته بعنوان : "صفعات قادت إلى الخيرات"، وأختصر منه هنا كلمات يسيرة، وأتبعها بفرائد من الفوائد أضعها بين يدي إخوتي طلاب العلم ، عسى أن يكون في بعضها نفع لبعضهم..
نقول في أمثلتنا الحكيمة: رُبّ ضارّة نافعة، ومن المحن تأتي المنح ، والنور من رحم الظلماء مسراه ..
وليس يصدق هذا على شيء أكثر مما يصدق على حياة أهل العلم، خاصّة في مرحلة التوجُّه؛ حين يكون الواحد منهم على طريق عاديّة فتحرفه عنه كلمةٌ أو موقف ويكون بالنسبة له نقطة المفترق .. فإذا هو يدير ظهره لماضيه ويبدأ حياة جديدة جدًّا .. يطلب فيها العلم ويجتهد في تحصيله حتى يبز أقرانه ومن سبقوه، ويرتفع لواؤه حتى يتفوق على شيوخه ومعلّميه ... بهذه الروح سافرت أرقب حياة هؤلاء العلماء
مكثت هناك ؛ أتأمل وأكتب:
- رأيت القعنبي وهو يتعرض لموكب الإمام الزهري يتهدده إن لم يحدثه بحديث فسوف يقتله، وسمعت قول الزهري له: ألا تستحي! ، فلم يتركه القعنبي حتى حدثه فاختار له حديث : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) فحولت الكلمة القعنبي من سكّير عربيد إلى إمام محدّث كبير بل كان أعظم رواة موطأ الإمام مالك.
- نظرت إلى الكسائي وهو يتردد على مجلس علم في المسجد، وسمعت المعلم يسأل طلابه في سؤال، فأحب الكسائي أن يجيب فنظر طلاب الحلقة إليه متأففين يقولون: وهل للخياطين بذلك اهتمام ؟
فحوّلته الكلمة من خيّاط إلى إمام بل صار أحد أئمة القراءات واللغة المعدودين في الدنيا.
- لمحتُ ابن حزم وهو يدخل المسجد بالأندلس قبيل صلاة المغرب وقد آذنت الشمس بالمغيب، فأراد أن يصلّي ركعتين تحية للمسجد، فقال له أحد المالكية: اجلس يا جاهل فلا صلاة في وقت الكراهة، فإذا ابن حزم يلوم نفسه على عدم العلم فيتعهدها من يومها بالعلم، حتى إنه ليناظر أبا الوليد الباجي إمام المالكية في الأندلس فيغلبه في المناظرة، وذلك بعد حادثة المسجد بسنين معدودة، وابن حزم بعد ذلك هو ابن حزم، من ذا في الدنيا كلها لم يسمع به ؟!!
- وطفت بدمشق أتأمل حلقات العلم في بلاد الشام فصدفني حائك عامّيٌّ يقال له محمد إسماعيل وكان يتردد على مجالس العلم، فإذا هو بعد بضع سنين، يحتكر الفتوى في بلده وينصرف الناس إليه مهملين المفتي الرسمي حتى اغتاظ آل العمادي وهم أهل المفتى الرسمي وجعلوا يستهزئون بمحمد إسماعيل الحائك، فبينما هو يمر بدارهم يومًا، على أتان له بيضاء، فوجد على الباب أخاً للمفتي، فسلم ورد عليه هذا الأخ السلام ثم قال له ساخراً: إلى أين يا شيخ؟ أذاهبٌ أنت إلى إسطنبول لتأتي بولاية الإفتاء؟! وضحك وضحك من حوله، أما الشيخ فلم يزد على أن قال: إن شاء الله ، فماذا فعل؟ استمر في طريقه وهو راكب الأتان، حتى إذا ابتعد عنهم دار في الأزقة حتى عاد إلى داره، فودع أهله وأعطاهم نفقة، وسافر متجهاً إلى اسطنبول، وما زال يفارق بلداً ويستقبل بلداً حتى دخل القسطنطينية، وما هي إلا أيام معدودات حتى عاد الحائك العامّيّ يحمل رتبة الإفتاء، ومعها ألف دينار، جائزة له، في قصّة عجيبة طريفة هي من قدر الله عز وجل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق