السبت، 31 يناير 2015

أعظم أمانيّ العلماء في التصنيف والتأليف: جمعُ السنَّة النبويَّة في كتاب واحد

باتت الحاجة إلى الأعمال الموسوعيّة في عصر اتساع دائرة العلم وتنوّع مجالاته ملحّة للغاية، وبخاصة الموسوعات التى تخدم المصادر الرئيسة منها بالدرجة الأولى
ولقد كان ولا يزال أَولَى ما احتاجت إليه الأمة الإسلامية على مرّ زمانها هو جمع سنة النبي صلى الله عليه وسلم المصدر الثاني للوحي والهداية والتشريع في كتاب واحد ..
هذا الأمل الذي راود العلماء والباحثين في واقعهم وداعب خيالهم وعملوا له وحلموا به، والمطلع على محاولات علماء الحديث قديمًا وحديثًا يدرك مدى تطلعهم لإنجاز هذه الأمنية العالية بداية من محاولة الحافظ ابن كثير (ت774هـ) في كتابه جامع المسانيد والسنن، مرورًا بالسيوطي (ت911هـ)، في كنز العمال، وليس انتهاء بالألباني والأعظمي وسعيد حوى وغيرهم الكثير ، رحم الله الجميع ... 
في خطط ومحاولات لم تكتمل وإن كانت قد وضعت أحجارا كثيرة في تشييد هذا البنيان المأمول .
ولقد كاد الأمر يكون يسيرا لو أنه صار من البداية على وفق ما أمّله الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله تعالى- في قوله: 
"ولقد كان استيعاب الأحاديث سهلاً، لو أراد الله تعالى ذلك، بأن يجمع الأول منهم ما وصل إليه، ثم يذكر مَن بَعْدَهُ ما اطّلع عليه مما فاته... فلا يمضي كثير من الزّمان إلا وقد استُوعبت وصارت كالمصنَّف الواحد، ولعمري لقد كان هذا في غاية الحسن".
وإذا كانت الحاجة فيما مضى إلى موسوعة للحديث النبوي أملاً وأمنية فقد أصبحت في الوقت الحاضر الذي يمتلك أبناؤه إمكانات علمية وتقنية وعملية خارقة عملاً واجبًا ينبغي أن تقوم عليه دولة من دول الإسلام أو مؤسسة من كبريات مؤسساته، في محاولة ناجحة إن شاء الله لإنفاذ ما عجزت عنه جهود الأفراد، فمثل هذه المشروعات الضخمة لا تبني بأيدي الأفراد، وإن كان الأفراد هم نواة نجاحها بلا مراء .. فمتى يكون ذلك ؟!
نحلم بهذه الأمنية أن تتحقق ونحن أحياء

صفعات قادت إلى الخيرات (2)

العالم الذي ألهمه اللصوصُ مفتاحَ العلم
عشت خلال هذه الرحلة مع علماء ودعاة في قلب التاريخ، ومع أمثالهم في قلب الحدَث، اجتزتُ بحورَ الزمن إلى أبي حامد الغزالي، أحد أعلام عصره وأحد أشهر علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري، وصحبته في السفر من طوس إلى (جرجان)؛ لسماع دروس الإمام (أبو نصر الإسماعيلي)، وفي أثناء عودتنا إلى بلدته (طوس) قطع اللصوصُ علينا الطريق، وأخذوا من (أبي حامد) مخلته التي فيها كتبه وكراريسه؛ ظنًّا منهم أن فيها نقودًا ومتاعًا، وساروا في طريقهم، فتبعهم (أبو حامد) وأخذ يلحّ عليهم أن يعطوه أوراقه وكتبه التي هاجر من أجلها ومعرفة ما فيها؛ فضحك كبير اللصوص وقال له: كيف تزعم أنك عرفت علمها وعندما أخذناها منك أصبحتَ لا تعلم شيئًا وبقيت بلا علم؟!
ولكنه أشفق عليه آخرًا وسلمه الكتب.
وكان هذا درسًا عظيمًا لأبي حامد الغزالي، فعندما وصل إلى "طوس" مكث ثلاث سنوات يحفظ ما كتب في هذه الأوراق، حتى لا يتعرض علمه للضياع مرة أخرى.
وبهذا كان للأمّة عالم من فحول العلماء اتّفق كثير من علماء الأمة على تلقيبه بحجة الاسلام، والبركة في علمه تعود إلى (صفعة من لصّ) !
 

 الطالب الذي نقره ديك فصيّره عالمًا !
وانتقلت عبر بوابة التاريخ سريعًا أتنقّل بين أحياء القاهرة، تحديدًا في حيّ حدائق القبة عند شارع مصر والسودان، لأتوقّف عند مسجد من المساجد العامرة في ستينات القرن الماضي، يسمّى "عين الحياة"، وإمامه إذ ذاك فضيلة الشيخ عبد الحميد كشك، العالم الذي كان له بالغ التأثير في النّاس بحسن وعظه، ومتانة لفظه، وجرأته في الصدع بالحق.
هاهم تجّار الكتب يعرضون ألواناً شتّى من الكتب الدينية أمام المسجد، والشباب يطوفون حولهم وينتقون ما يعجبهم من عناوينها، لمحت أحدهم يطأطيء على كتاب ويتناوله بيده، ويقلب صفحاته، ثم أرجعه إلي مكانه، وقد بدا عليه الأسى والأسف؛ كأن الكتاب كان باهظ الثمن لمثله، وكان الكتاب إذ ذاك بثلاثين قرشا! وهذه الثلاثون ثروة لا يملكها "حجازي" الطالب الفقير، فمضى يتجوّل بين بائعي الكتب، حتى وقف علي كتاب لطيف الحجم وهو مختصر الكتاب السابق، فبدت على أساريره الفرحة، ولم يتردد في شرائه وكان ثمنه خمسة قروش فقط، فتح عيني الطالب على نوعيةة جديدة من القراءة تفرّق بين صحيح الأحاديث وضعيفها ولفتت انتباهه للاهتمام بهذه النوعية من الكتب.
استمر الطالب "حجازي" يتردد على مسجد "عين الحياة" يسمع خطب الشيخ كشك، حتى كان يوم من الأيام وذكر الشيخ على المنبر حديثًا عن النبى صلي الله عليه وسلم قال: "إنّ الله يتجلي يوم القيامة للناس عامّة، ويتجلّي لأبى بكر الصديق خاصة".
فشكّ الطالب فى صحة الحديث وسأل نفسه: ترى! هل هو صحيح أم لا؟ ولما رجع إلى منزله بحث عنه، وكذلك بحث في كتب المكتبة التى يرتادها فعلم أنه حديث ضعيف، فأتى الشيخ فى درسه بين المغرب والعشاء، وسارّه قائلا: إنَّ الحديث الذى ذكرتموه في الجمعة الماضية - وهو حديث كذا - موضوع.
فسأله الشيخ عن العلة فى وضع الحديث فلم يكن عنده جواب، فقال له موجّهًا: يابنى! تعلّم قبل أن تعترض
فمشى من أمامه مستخذياً؛ كأنما ديكٌ نقره!
وخرج من مسجد "عين الحياة" ولديه من الرغبة في دراسة علم الحديث ما يجلُّ عن تسطير وصفه البنان، ويضيق العطن، ويكل عن نعته اللسان، واجتهد في هذا الباب حتى صار بعد هذا أدرى الناس في مصر بأمر الحديث وعلله وصار هو الشيخ "أبو إسحاق الحويني".

عاقبة الصبر الظفر

حدَثٌ وعِبرة
------------
 
الحدَث:
-
ابتُلي الإمامُ البخاريُّ -رحمه الله تعالى- ابتلاء شاقًّا في أخريات حياته
كان من أثر هذا الابتلاء أن الإمام خرج من بلاد خراسان وحده لم يودّعه إلا واحد !
بعدما كان دخلها وفي استقباله أهل المدينة عن بكرة أبيهم، فلقد استقبله 4000 رجل يركبون الخيل، سوى من ركب بغلاً أو حمارًا، وسوى المشاة ...
وخرج الولاة والعلماء كافة لاستقباله قبل أن يدخل المدينة ب 100 كيلو متر ..
لقد بالغوا في إكرامه بصورة لم تكن لأحد قبله ولا حتى بعده !!
-
وها هو يخرج من نيسابور وحيدًا
بل لم تستقبله مدينة من مدن خراسان بأسرها
فكان كلّما دخل إلى بلد من بلادها وجد وصيّة تسبقه إلى أهلها أن أخرجوه منها
-
وكان السبب في ابتلاء البخاري -رحمه الله- أحد شيوخه من علماء نيسابور واسمه محمد بن يحيى الذهلي وكان رأسًا متبوعًا مطاعًا أكثر من طاعة للخليفة والوالي
وذلك أنه ادّعى على البخاري أنه يقول بخلق القرآن !! والبخاري براء من ذلك كل البراءة، وما فعل الذهلي ذلك إلا حسدا للبخاريّ على علمه وأخذه لمكانته لدى النّاس، مع أنه كان في البداية يحث الناس على الانتفاع به وحضور مجالسه ودروسه ...
لكن احدث أن انصرف الناس عن الشيخ وأقبلوا على التلميذ
مات البخاري -رحمه الله تعالى- بعد هذه المحنة بقليل
--------------
 
العبرة:
 -
إنّ البخاريّ - رحمه الله - لم يتكلم في الذهليّ، بل صبر واحتسب، وأكثر من ذلك أنه روى عنه في صحيحه وما كان كتبه عنه لم يمحه ... إنّ أكثر الناس يظن أن المظلوم إذا صبر واحتسب أنه قد أهين وضاع، وليس كذلك والله فلننظر في العواقب والنهايات ... ولنا في هذا الحدث عظة وعبرة فكم فينا من يجهل اسم الذهلي ومن منا لا يعرف البخاري -رغم أن الأول شيخ والثاني تلميذه؟!
-
إخوتي ! ثقوا أنّ عاقبة الصبر الظفر .

صفعات قادت إلى الخيرات (1)

لفتت انتباهي ظاهرةٌ في سير العلماء والدعاة، جمعتُ شواهد لها من مواقف لبعضهم كانت سببًا في توجيههم إلى ساحة العلم والمنافسة فيه حتى صاروا أئمة و دعاة، وربما لم يكن يخطر لهم هذا ببال ..
وقد كتبت عن هذا في الماضي كتابًا لطيفًا وعنونته بعنوان : "صفعات قادت إلى الخيرات"، وأختصر منه هنا كلمات يسيرة، وأتبعها بفرائد من الفوائد أضعها بين يدي إخوتي طلاب العلم ، عسى أن يكون في بعضها نفع لبعضهم..
نقول في أمثلتنا الحكيمة: رُبّ ضارّة نافعة، ومن المحن تأتي المنح ، والنور من رحم الظلماء مسراه ..
وليس يصدق هذا على شيء أكثر مما يصدق على حياة أهل العلم، خاصّة في مرحلة التوجُّه؛ حين يكون الواحد منهم على طريق عاديّة فتحرفه عنه كلمةٌ أو موقف ويكون بالنسبة له نقطة المفترق .. فإذا هو يدير ظهره لماضيه ويبدأ حياة جديدة جدًّا .. يطلب فيها العلم ويجتهد في تحصيله حتى يبز أقرانه ومن سبقوه، ويرتفع لواؤه حتى يتفوق على شيوخه ومعلّميه ... بهذه الروح سافرت أرقب حياة هؤلاء العلماء
مكثت هناك ؛ أتأمل وأكتب:
- رأيت القعنبي وهو يتعرض لموكب الإمام الزهري يتهدده إن لم يحدثه بحديث فسوف يقتله، وسمعت قول الزهري له: ألا تستحي! ، فلم يتركه القعنبي حتى حدثه فاختار له حديث : (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت) فحولت الكلمة القعنبي من سكّير عربيد إلى إمام محدّث كبير بل كان أعظم رواة موطأ الإمام مالك.
- نظرت إلى الكسائي وهو يتردد على مجلس علم في المسجد، وسمعت المعلم يسأل طلابه في سؤال، فأحب الكسائي أن يجيب فنظر طلاب الحلقة إليه متأففين يقولون: وهل للخياطين بذلك اهتمام ؟
فحوّلته الكلمة من خيّاط إلى إمام بل صار أحد أئمة القراءات واللغة المعدودين في الدنيا.
- لمحتُ ابن حزم وهو يدخل المسجد بالأندلس قبيل صلاة المغرب وقد آذنت الشمس بالمغيب، فأراد أن يصلّي ركعتين تحية للمسجد، فقال له أحد المالكية: اجلس يا جاهل فلا صلاة في وقت الكراهة، فإذا ابن حزم يلوم نفسه على عدم العلم فيتعهدها من يومها بالعلم، حتى إنه ليناظر أبا الوليد الباجي إمام المالكية في الأندلس فيغلبه في المناظرة، وذلك بعد حادثة المسجد بسنين معدودة، وابن حزم بعد ذلك هو ابن حزم، من ذا في الدنيا كلها لم يسمع به ؟!!
- وطفت بدمشق أتأمل حلقات العلم في بلاد الشام فصدفني حائك عامّيٌّ يقال له محمد إسماعيل وكان يتردد على مجالس العلم، فإذا هو بعد بضع سنين، يحتكر الفتوى في بلده وينصرف الناس إليه مهملين المفتي الرسمي حتى اغتاظ آل العمادي وهم أهل المفتى الرسمي وجعلوا يستهزئون بمحمد إسماعيل الحائك، فبينما هو يمر بدارهم يومًا، على أتان له بيضاء، فوجد على الباب أخاً للمفتي، فسلم ورد عليه هذا الأخ السلام ثم قال له ساخراً: إلى أين يا شيخ؟ أذاهبٌ أنت إلى إسطنبول لتأتي بولاية الإفتاء؟! وضحك وضحك من حوله، أما الشيخ فلم يزد على أن قال: إن شاء الله ، فماذا فعل؟ استمر في طريقه وهو راكب الأتان، حتى إذا ابتعد عنهم دار في الأزقة حتى عاد إلى داره، فودع أهله وأعطاهم نفقة، وسافر متجهاً إلى اسطنبول، وما زال يفارق بلداً ويستقبل بلداً حتى دخل القسطنطينية، وما هي إلا أيام معدودات حتى عاد الحائك العامّيّ يحمل رتبة الإفتاء، ومعها ألف دينار، جائزة له، في قصّة عجيبة طريفة هي من قدر الله عز وجل.

الإسلام دين البرهان والسّـنان

محمد صلى الله عليه وسلم هو نبي المرحمة .. نعم ، لكنّه أيضًا نبي الحرب والملحمة، الذي حارب بيده أعداء دين الله حين وقفوا في سبيل أن تكون كلمة الله هي العليا .
وقد بعث صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة .. نعم لكنه أيضًا بعث بالسيف لإزالة الطواغيت وكشف العقبات التي تمنع الناس من النظر والتفكير والاطّلاع على محاسن الإسلام .
وقد جاء صلى الله عليه وسلم داعيًا هاديًا بكتاب الله .. نعم ، لكنه أيضًا جاء حاكمًا وصاحب دولة يقيم شرع الله فيها ويعاقب من عدل عن حكم الكتاب
فبالمصحف والسيف كان الإسلام، قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نضرب بهذا -يعنى السيف- من عدَل عن هذا -يعنى المصحف- .
وقد نشر صلى الله عليه وسلم دين الله تعالى بالدعوة والخلق الحسن .. نعم لكنه أيضًا نشره بالسيف .. فالدعوة تسبق السيف ولا يسبقها .. وللدعوة أهلها وللسيف أهله.
وهكذا قال الله تعالى: {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله وحقوق خلقه.
ثم قال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب} فمن عدل عن الكتاب قُوّم بالحديد
ولهذا كان قوام الدّين بالمصحف والسيف، فكما أقام الله دين الإسلام بالحجة والبرهان، كذلك أقامه بالسيف والسنان، كلاهما في نصر الدين أخوان شقيقان.
إنّ بعضَ النّاس ينظر إلى عين واحدة في الإسلام لا يعرف غيرها ، فلا يرى في الإسلام إلا رحمة ودعوة وهداية ومصحفًا متغافلًا عن أن الإسلام هو مع هذا ملحمة وسيف ودولة .. وبعضهم يريد عن عمد أن يطمس عينه هذه الأخرى
إن للإسلام عينَ رحمةٍ وهداية ودعوة وسماحة يسدي بها الخير للعالمين، وينشد بها تنوير الطريق للضالين ليسلكوا السبيل الصحيح إلى رب العالمين
وله أيضًا عين حمراء يصدّ بها عدوان المعتدين ويُزيل بها طغيان من يضعون في طريق وصوله للناس الحدود والسدود والعراقيل بهدف الحفاظ على مصالحهم الشخصية ومنافعهم الذاتية.
وقد وقع المسلمون -إلا من رحم الله- في فخٍّ نصبه أعداؤهم؛ فإذا سمعوا من يتهجّم على الإسلام بأنه انتشر بالسيف نفـَوا مشروعية الجهاد في الإسلام إلا على سبيل الدفاع فقط ، وكذبوا، فقد طلب الإسلام الناس للدين بالدعوة وأزاح عنهم طغاة السلاطين بالسيف حين صدُّوا دعوة المسلمين لشعوبهم، وقد قاتل المسلمون الحكّام والجيوش الكافرة ولم يقاتلوا الشعوب المستضعفة تحتها
العجيب أن الزمن يعيد دورته من جديد ونفس الذين جرّموا جهاد الطلب يريدون اليوم تجريم جهاد الدفاع عن حمى الإسلام وعرضه، يساعدهم في ذلك من لا خلاق لهم.

حكم تخصيص علي رضي الله عنه بدعاء: (كرم الله وجهه)

دأب بعض الكُتّاب وتبعهم الخطباء والدعاة ومن ثمّ انتشر في العامّة الدعاءُ بعد ذكر اسم أبي الحسنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه بقولهم:
(كرّم الله وجهه) ..
والصحيح أن ذلك من التفرقة غير المقبولة بين صحابة النبي صلى الله عله وسلم ورضي الله عنهم أجمعين، فالصحابة كلهم كرّم الله وجوههم، فلمَ يُخص عليّ دون غيره بذلك ؟!
- يجيب البعضُ عن ذلك بأن عليًّا رضي الله عنه لم يسجد لصنم قطّ، ولهذا يطلق عليه رضي الله عنه ذلك النوع من الدعاء، زيادة عن الترضّي المعهود عن جميع الصحابة...
وغاب عن هؤلاء أن كثيرًا من مشاهير الصحابة قد وقع لهم ذلك الشيء نفسه من مثل ابن عباس وابن عمر وزيد بن ثابت وابنه أسامة وغيرهم كثير، لم يؤثر عنهم أنهم سجدوا لصنم أو لامست جباههم الأرض لغير الله ...
فلماذا لا يُشركون مع عليّ رضي الله عنه في ذلك النوع من الدعاء المختص هو به دونهم ؟
- ويعلّل البعض الآخر ذلك الدعاء بأنه لأجل أن عليًّا رضي الله عنه وأرضاه لم ينظر إلى عورته قطّ -وبعضهم يقول: لم ير عورة غيره قطّ- والأول مع منافاته لقواعد القبول في العقل الصحيح لم يرد في شيء معتبر من كتب المسلمين
والثاني ورد خلافه، كما في قصة قتال عليّ مع أبي سعيد بن أبي طلحة، صاحب لواء المشركين يوم أحد، بارزه عليّ فصرعه، ثم انصرف ولم يجهز عليه ! فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟
فقال : إنه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم، وعرفت أن الله قد قتله .
وقد فعل ذلك علي رضي الله عنه يوم صفين مع بسر بن أبي أرطاة، لمّا حمل عليه ليقتله أبدى له عورته ، فرجع عنه، وورد ذلك في مرة ثالثة طرفها الآخر عمرو بن العاص وليست تصح .. [البداية والنهاية (3/39)]
- مع الاعتبار بأنّ عدم رؤية الإنسان لعورته لا تستلزم إكرام الله لوجهه الأمر الذي يُجزم معه بأنّ من رأى عورته فليس معناه أنه حُرم كرامة الوجه على الله !!!
- وفي التزام ذلك الدعاء ما يشعر بنوع تفوّق علي رضي الله عنه على الشيخين بهذه الصفة وإرادة من يُصرُّ على نعته بها بعدما بينّا على اعتقاد ذلك وهو خلاف عقيدة المسلمين في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم
- وعلي رضي الله عنه اختص عن الشيخين وغيرهما بخصائص كثيرة أولاها القربة لكن ذلك الأمر مما لم يدل دليل على اختصاصه به فالأولى عدم التخصيص بلا دليل وأستأنس هنا بما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله عن الدعاء المذكور : وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب أن يفرد علي رضي الله عنه، بأن يقال عليه السلام من دون سائر الصحابة، أو كرم الله وجهه، هذا وإن كان معناه صحيحًا، لكن ينبغي أن يسوي بين الصحابة في ذلك، فإن هذا من باب التعظيم والتكريم، فالشيخان -أبوبكر وعمر- وأمير المؤمنين عثمان أولى بذلك منه. اهـ [تفسير ابن كثير (3/517)]
ومثل ذلك أيضا قولهم عنه عليه السلام، وتلقيبه بالإمام، دون غيره من الصحب الكرام
- والذي أريد التنبيه عليه أننا نحب عليًّا رضي الله عنه وأرضاه فاطمة ونحب الحسنين ونسلهم جميعًا وليس نفينا ذاك في مقام التنقّص لمقام أمير المؤمنين أبي الحسن -كرم الله وجهه ووجوه الصحابة أجمعين- ولكنه وقوف عند حد تعليمه رضي الله عنه لنا إذ أمرنا ألا نغالي فيه وألا نرفعه فوق مقامه وألا ندعي فيه ما ليس كذلك، فعليٌّ أرفع بما أوتي بالحق من كل ما ادّعي فيه بالباطل.

الوصية الخالدة

الوصية الخالدة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
من أين أبدأ والمحامد كلها لك يا مهيمن يا مصوّرُ يا صمدْ
احترتُ في أبهى المعاني أن تفي بجلال قدرِك فاعتذرتُ ولم أزدْ
 أما بعد: فيا أيها الإخوة
"التوحيد أولا"
سلسلة إيمانية، الهدف منها: تحقيق أول واجب أوجبه الله على عباده، ألا وهو التوحيد بإفراده سبحانه بجميع أنواع العبادة، نتحدث في هذه السلسلة الكريمة عن أعظم كلمة عرفها الوجود، وأفضل كلمة شهدتها الأسماع، وأشهى كلمة تذوقتها ورددتها الألسنة والأفواه، تلك هي كلمة الإخلاص والنجاة كلمة" لا إله إلا الله ".
فتعالوا بناَ ـ أيها الإخوة ـ لنطوف سويًّا في بستان التوحيد الماتع اليانع نأخذ من كل شجرة فيه غصناً، ومن كل غصن نقطف زهرة، نستمد منها عبيرها وطيبها العطر الجميل، خاصة وأن هذا العبير وذلكم الطيب مستمد من عبيرٍ وطيبٍ قال فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم "أفضل ما قلته أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله"([1])
وهذا هو لقاؤنا الأول -أيها الإخوة-  وهو بعنوان" الوصية الخالدة ".
وسننظم سلك هذا الموضوع العظيم الجليل في العناصر الأربعة التالية:
أولاً: لحظات ثمينة.
ثانياً: التوحيد أولاً.
ثالثا: فلنتعرف إلى التوحيد.
رابعاً وأخيراً: كيف نحقق التوحيد في الواقع ؟
أولاً: لحظات ثمينة:
-أيها الإخوة- : إن أسعد فترات الحياة هي الفترات التي مرت على البشرية وهي على علاقة مباشرة واتصال لا ينقطع بالسماء، وهي تلكم  الفترات التي عاش فيها أنبياء الله ورسله بين الناس، يبلغون عن الله رسالاته ويوصلون إلى خلقه أوامره ونواهيه، ولذلك بكى الفطناء الألباء الأذكياء لما انقطع هذا الاتصال بموت آخر الأنبياء، المصطفى صلى الله عليه وسلم، روى مسلم في صحيحه عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضى الله عنه ـ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم – لِعُمَرَ رضي الله عنهم انْطَلِقْ بِنَا إِلَى أُمِّ أَيْمَنَ نَزُورُهَا كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَزُورُهَا. فَلَمَّا انْتَهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ فَقَالاَ، لَهَا: مَا يُبْكِيكِ ؟، مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم -. فَقَالَتْ: مَا أَبْكِى أَنْ لاَ أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَكِنْ أَبْكِى أَنَّ الْوَحْىَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءِ. فَهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءِ، فَجَعَلاَ يَبْكِيَانِ مَعَهَا.([2])
عاشت البشرية -أيها الإخوة-  هذه الفترات تتربى على عين الله وتصنع بتوجيهه، يقوم بإرشادها إلى تنفيذ ذلك وتطبيقه خيرة خلق الله وصفوتهم، في قيادة حكيمة وريادة رشيدة، فعاشت البشرية في ظل ذلك أسعد فترات حياتها.
وإن أسعد هذه الفترات على الإطلاق لهي الفترة التي شهدت فيها الدنيا وسعدت فيها الحياة بأعظم من خلق الله وأفضل من اصطفاه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي الفترة التي تقدر بعمر الزمن وتقدير الناس بثلاثة وعشرين عاما قضى النبي منها ثلاثة عشر في مكة المكرمة وعشرا في المدينة المعطرة (هذا بتقدير الزمان وأما بتقدير الحقيقة فليس لها حدود) عاش النبي صلى الله عليه وسلم، خلال هذه السنوات ـ طوال الأيام والليالي ـ يمشي على شوك الأسى، ويخطو على جمر الكيد والعنت، يتلمس الطريق لهداية الضالين وإرشاد الحائرين، حتى علم الجاهل وقوم المعوج ونشر أضواء الحق والتوحيد والإيمان على الدنيا كلها، كما تنشر الشمس أشعتها على الدنيا فتغمر الأكوان بضيائها.
عَمَّر النبي صلى الله عليه وسلم الحياة وأضاء الدنيا وأنارها يوم دعا الناس إلى نبذ الشرك والتمسك بالتوحيد، وترك الآلهة الكثيرة والاستمساك بعبادة العزيز الحميد،  وصدع فيهم بقولة الحق في صيحته الخالدة: "يا أيها الناس: قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا". ([3])
ومما زادني شرفاً وعزًّا .... وكدت بأخمصي أطأ الثريا
دخولي تحت قولك يا عبـــادي وأن أرسلت أحمد لي نبيا
عاش النبي صلى الله عليه وسلم ـ أيها الإخوة ـ  حياته كلها يعلم الناس معنى هذه الكلمة، وطريقة العمل بها، ووجوب الدعوة إليها والسعي لتبليغها، والحرص على أداء مقتضياتها.
حتى بدت في الأفق خاتمة هذه الدنيا الطيبة، ولاحت من بعيد طلائع التوديع لهذا العمر المبارك، وبدأت الأيام الأخيرة في حياة -المصطفى صلى الله عليه وسلم- العد التنازلي.
يوم تكاملت الدعوة وسيطر الإسلام على الموقف، ساعتها أخذت طلائع التوديع للحياة والأحياء تطلع من مشاعره ـ صلى الله عليه وسلم- وتتضح بعباراته وأفعاله وأحوله:
فها هو قد أنزلت عليه سورة النصر:  بسم الله الرحمن الرحيم إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)
وها هو يعتكف في رمضان من السنة العاشرة، عشرين يوماً، بينما كان لا يعتكف إلا عشرة أيام فحسب قبل هذا، وتدارسه جبريل في رمضان الأخير القرآن الكريم مرتين، بينما كان لا يدارسه كل رمضان سبق إلا مرة واحدة. ([4])
فعرف أنه الوداع وأنه نعيت إليه نفسه وأوحى بذلك إلى الناس في إشارات كثيرة
فقال في حجة الوداع: "إني لا أدري، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا بهذا الموقف أبداً"([5])
وقال ـوهو عند جمرة العقبةَـ: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّى لاَ أَدْرِى لَعَلِّى لاَ أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِى هَذِهِ".([6])
وفي أوائل صفر سنة 11هـ خرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم- إلى أحد فصلى على الشهداء كالمودع للأموات والأحياء، ثم انصرف إلى المنبر فقال: "إني فرط لكم، وأنا شهيد عليكم، وإني ـ والله ـ لأنظر إلى حوضي الآن". ([7])
وبالفعل ـ أيها الإخوة ـ في اليوم الثامن أو التاسع والعشرين من شهر صفر سنة 11هـ ـ وكان يوم الاثنين ـ شهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم- جنازة في البقيع، فلما رجع وهو في الطريق أخذه صداع في رأسه، واتقدت حرارته حتى إنهم كانوا يجدون سورتها وأثرها فوق العصابة التي تُعصَّب بها رأسه، وبدأت أيام المرض التي دامت 13 أو 14 يوماً، وتتابعت الأيام سراعًا على رسول الله تقربه من الآخرة وتبعده من الدنيا، فيبقى من عمر المصطفى أيام معدودة، بقي خمسة أيام بقى أربعة أيام،بل ثلاثة ثم يومان ثم ساعات، وجاءت اللحظات الأخيرة، اللحظات الثمينة التي يودع فيها المصطفى الدنيا، إنها أثمن لحظات الحياة على الإطلاق نعم ولا ريب فبعد لحظات قليلة سيغلق الباب الذي بين السماء والأرض وينقطع وحي السماء عن الأرض.
إنها لحظات ثمينة، تلك اللحظات الأخيرة من حياة الصلة الفريدة, الصلة المباشرة بين الصفوة من الخلق وبين الخالق سبحانه، وفي لحظة من هذه اللحظات ـ أيها الإخوة ـ أراد المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم - أن يترك بين يدي الأمة كتاباً يكتبه لها، لا تضل الأمة بعده أبداً, أراد النبي ـ صلى الله عليه وسلم- أن يوصي الأمة وصية ثمينة بقدر هذه اللحظات الثمينة التي بقيت له في الحياة، أو لنقل: التي بقيت للحياة في رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم أراد المصطفى أن يوصي الأمة بوصية تحفظ على الأمة سيرها ومسراها وتضبط للأمة خطواتها في ممشاها، روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لما اشتد بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم- وجعُه قال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تختلفوا بعده، فلما هموا بذلك نظر عمر فوجد النبي في غاية الإعياء ورأى أن لا يشقوا عليه، فقال: إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم- غلبه الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا، وكثر اللَّغًط فلما رأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم- ذلك قال: قوموا عني، ولا ينبغي عندي التنازع".([8])
فمات المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم- ولم يكتب ذلك الكتاب, وهذا من شؤم الاختلاف قال الحافظ الجليل ابن حجر: وَفِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّ الِاخْتِلَاف قَدْ يَكُون سَبَبًا فِي حِرْمَان الْخَيْر، كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّة الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ تَخَاصَمَا فَرُفِعَ تَعْيِين لَيْلَة الْقَدْر بِسَبَبِ ذَلِكَ ". ([9])
أيها الإخوة! حزن أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- لأجل فوات هذه الوصية حزناً شديدًا بالغاً، لكنهم وهم الفطناء الألباء علموا أنه صلى الله عليه وسلم أوصى بوصية عظيمة محفوظة إلى أن تقوم الساعة لا تتبدل ولا تتغير، نعم نظروا فوجدوا عوض تلك الوصية التي فقدوها بل هي بعينها وجدوها في كتاب الله تعالى وهذا هو عنصرنا الثاني من عناصر اللقاء:
التوحيد أولاً:
أيها الإخوة! روى الترمذي وحسنه عن  ابن مسعود -رضي الله عنه- أنه قال: "من أراد أن ينظر إلى وصية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه "، أي: التي كتبت وختم عليها فلم تغير ولم تبدل، من أراد أن ينظر إلى وصية محمد –صلى الله عليه وسلم- التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: "قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152)وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)". ([10])
آيات محكمات هن أم الكتاب كما قال ترجمان القرآن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما([11]) هذه هي وصية رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فرسول الله أوصى بوصايا أولى هذه الوصايا أن أوصى بتوحيد الله جل في علاه كما توضح هذه الآيات ولهذا أيها الإخوة كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يبايع أصحابه على هذه الآيات الثلاث ففي مستدرك الحاكم وصححه من حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- قال، قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أيكم يبايعني على ثلاث، ثم تلا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- هذه الآيات حتى فرغ منها ([12])، وفي هذا ـ أيها الإخوة ـ ما يدعونا إلى تدبر هذه الآيات وبخاصة إذا لحظنا هذا الختام العجيب الذي ختمت به كل آية من الآيات الثلاث يقول سبحانه: "ذلكم وصاكم به "، أي هذا أوصاكم به ربكم -عز وجل- وأمركم به وأكد عليكم فيه.
قال ابن عطية: الوصية هي: الأمر المؤكد المقرر([13])، فهذه الآيات الثلاث أيها الإخوة هي وصية الله تعالى لعباده وهي وصية النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأمته، لذلك وجب على كل من قرأ هذه الآيات أن يتدبرها ويتفهم ما فيها.
وإذا تأملنا أيضا ما بعد هذه الكلمة من الآيات وهي قوله تعالى في الآية الأولى" لعلكم تعقلون" وفي الآية الثانية" لعلكم تذكرون" وفي الآية الثالثة" لعلكم تتقون" ولهذا الترتيب سر كما قال شيخ المفسرين، قال الطبري: ذكر أولاً (لعلكم تعقلون) ثم (تذكرون) ثم (تتقون) لأنهم إذا عقلوا تذكروا فإذا تذكروا خافوا واتقوا. ([14]) "وإذا تدبرها الإنسان وعمل بها حصلت له الأوصاف الثلاثة الكاملة المذكورة: العقل والتذكر والتقوى".([15])
فإذا نظرنا إلى هذه الوصية أيها الإخوة نجدها قد اشتملت على الأمر بعشر وصايا وكانت أولى هذه الوصايا العشر الأمر بتوحيد الله بدأ الله هذه الوصايا المؤكدات والأوامر الواجبات بالأمر بإفراده سبحانه بالعبادة وتوحيده -عز وجل- قال العلامة السعدي:([16])قول الله تعالى لنبيه –صلى الله عليه وسلم- قل لهؤلاء الذين حرموا ما احل الله تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم تحريماً عاماً شاملاً لكل أحد محتوياً على سائر المحرمات.. وأول ذلك وأحقه الشرك بالله: أن يعبد المخلوق كما يعبد الله ويعظم كما يعظم الله ألا تشركوا به شيئا لا قليلاً ولا كثيراً، أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية، والإلهية وإذا ترك العبد الشرك كله صار موحداً مخلصاً لله في جميع أحواله فهذا حق الله على عباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، فهذا آكد الحقوق وأعظمها وأولها ولهذا بدأ به وجعله أولاً، ألم أقل لحضراتكم هذه هي وصية الله ووصية رسول الله بل وصية كل نبي إلى قومه ورسول إلى أمته قبل المصطفى ؟ أوصى الأنبياء أقوامهم وأممهم أن يوحدوا الله تعالى، وأن يفردوه بالعبادة وانتبهوا أحبتي هذا أول أمر بدأ به كل نبي وكل رسول فإن دعوة الأنبياء والرسل على مدى التاريخ البشري كله كانت تستهدف أمراً واحداً وهو رد البشرية الضالة إلى ربها –جل وعلا- وهدايتها إلى طريقه وتربيتها على منهاجه وإخراجها من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن ظلمات الشرك والإلحاد إلى أنوار التوحيد والإيمان وتزكية نفوس أبنائها وتهذيب أخلاقهم، وكانت نقطة البدء على هذا الطريق ولبنة الأساس الأول لهذا التيار الضخم الكبير هي دعوة الناس إلى التوحيد الشامل، إلى عبادة الله وحده لا شريك له، إلى العقيدة الصحيحة الصافية، ولذا كانت الصيحة الأولى لكل نبي ورسول: "أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت".
بدأ بها نوح عليه السلام: "ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه إني لكم نذير مبين أن لا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم".
وبدأ بها هود عليه السلام: "وإلى عاد أخاهم هوداً قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون".
وبدأ بها صالح عليه السلام: "وإلى ثمود أخاهم صالحاً قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره.
وهكذا إلى آخر الرسل الكرام وختام الأنبياء العظام.
فقد بدأ بها لبنة تمامهم ومسك ختامهم محمد –صلى الله عليه وسلم- وظل يدعو إليها في مكة ثلاثة عشر عاما كاملة لا تزاحمها في اهتمامه قضية أخرى بل لما انتقل إلى المدينة لم يدع ـ صلى الله عليه وسلم ـ  قضية التوحيد وينتقل إلى غيرها، بل دعا إلى دعوة التوحيد ودعا إلى غيرها، فإن التوحيد ليس مرحلة زمنية ينتقل منه إلى غيره بل هو مهمة كل مرحلة ولذا ينتقل معه إلى غيره.
وبالجملة ـ أيها الإخوة ـ فما بعث الله نبيا ولا رسولا إلا كانت دعوته الأولى لأمته وقومه هي التوحيد بالأمر بعبادة الله والنهي عن الشرك كما قال سبحانه: "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وقال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) [الأنبياء: 25]
لذا وجب على كل داعية أراد النجاح لدعوته أن يبدأ بما بدأ به سادة الدعاة إلى الله وقد كانت أول وصية لرسول الله –صلى الله عليه وسلم- أوصى بها أول داعية له إلى اليمن وهو معاذ بن جبل –رضي الله عنه- أن يدعوهم إلى التوحيد ففي الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- حين بعث معاذًا إلى اليمن, قال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله وفي رواية البخاري: إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله".([17])
فأمره المصطفى –صلى الله عليه وسلم- أن يبدأهم بالدعوة إلى التوحيد.
فالتوحيد أيها الإخوة هو الوصية الخالدة التي تعمقت عبر تاريخ البشرية ولا تزال تترسخ حتى نهايته، أوصى بها ربنا سبحانه وعمل على سبيلها كل نبي ورسول وجاهد من أجلها كل داعية صادق وكل مؤمن غيور، لأن التوحيد ـ أيها الإخوة ـ  وأرجو أن تنتبهوا لهذا التأصيل الذي يغيب عن أذهاننا كثيرا فتختلط الحقائق وتتخبط الرؤىَ:
لأن التوحيد هو حق الله تعالى على عباده وواجبه عليهم الذي لا يقبل الله عملاً ولا يرضى عن عامل إلا إذا حقق هذا الحق وأتم هذا الواجب، ولذلك كان التوحيد هو الغاية من الخلق كما قال ربنا سبحانه"وما خلقت الجن والإنس إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57)إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ(58)".
قال الحافظ ابن كثير: "خلق الله تعالى الخلق ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر أنه غير محتاج إليهم بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم وهو خالقهم ورازقهم"([18]) فهذه هي وظيفة الخلق الأولى التي لأجلها خلقوا ولتحقيقها أوجدوا فاعملوا رحمكم الله على التعرف إلى التوحيد حتى تحققوه فتفوزوا بخيري الدنيا والأخرى.
"وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون".
فبين لنا الله تعالى الحكمة – من خلق الثقلين الإنس والجن وهي أنه إنما خلقهم لشيء واحد وهو العبادة ولهذا جاء بالحصر "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"حصر الحكمة من خلق الجن والإنس في شيء واحد وهو أنهم يعبدونه، فالحكمة من خلق المخلوقات هي عبادة الخالق -سبحانه وتعالى-, خلق الله الجن والإنس للعبادة وخلق كل الأشياء لمصالحهم، سخرها لهم ليستعينوا بها على عبادته -عز وجل- ومعنى ليعبدون، أيها الإخوة – أي يفردوني بالعبادة وهذا هو التوحيد الذي هو حق الله على عباده فإنه بذلك أمر أمراً مؤكداً مقرراً فقال: واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، فهذا أمر من الله بعبادته ونهي عن الشرك به، وهذا معنى لا إله إلا الله, لأن لا إله إلا الله معناها نفي الشرك وإثبات العبادة لله -سبحانه وتعالى- فقال سبحانه"واعبدوا الله"،أي أخلصوا العبادة لله وحده أي تقربوا بجميع أنواع العبادة إليه.
وقال سبحانه: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا".
وقضى أي أمر وشرع فهذا أمر من الله -تعالى- واجب وتشريع حتم لازم أن لا نعبد إلا هو وحده سبحانه.
وفي الصحيحين من حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: "كنت رديف النبي –صلى الله عليه وسلم- على حمار، فقال لي: يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، قلت: أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا".([19])
وهذا الحديث العظيم يبيّن أن حق الله على عباده أن يعبدوه وحده لا شريك له بما شرعه لهم من العبادات، ولا يشركوا معه غيره، وأن حق العباد على الله -عز وجل- أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا، ولا شك أن حق العباد على الله: هو ما وعدهم به من الثواب، فحق ذلك ووجب بحكم وعده الصدق، وقوله الحق، الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر، ولا الخلف في الوعد، فهو حق جعله الله سبحانه على نفسه، تفضلاً وكرمًا، فهو سبحانه الذي أوجب على نفسه حقًّا لعباده المؤمنين، كما حرم الظلم على نفسه، لم يوجب ذلك مخلوق عليه، ولا يقاس بمخلوقاته، بل هو بحكم عدله ورحمته، كتب على نفسه الرحمة، وحرم على نفسه الظلم([20])
فالتوحيد أيها الإخوة هو حق الله على عباده الذي لا يقبل الله بدونه صرفا ولا عدلاَ،لا فرضاً ولا نفلاً، وهو أول واجب فرضه الله على عباده قبل الصلاة والصيام وغيرها من شرائع الإسلام.
فما هو التوحيد أيها الإخوة ؟ وهذا هو عنصرنا الثالث من عناصر اللقاء:
فلنتعرف إلى التوحيد:
أيها الإخوة التوحيد هو: العلم والاعتراف المقرون بالاعتقاد الجازم، بتفرد الله -عز وجل- بالأسماء الحسنى، وتوحده بصفات الكمال، والعظمة والجلال، وإفراده وحده بالعبادة([21])، قال -سبحانه وتعالى-: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} قال العلامة السعدي -رحمه الله-: "أي متوحد منفرد في ذاته، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، فليس له شريك: في ذاته، ولا سَمِيَّ له، ولا كفء، ولا مثل، ولا نظير، ولا خالق ولا مدبر غيره؛ فإذا كان كذلك فهو المستحق لأن يؤله ويعبد بجميع أنواع العبادة، ولا يشرك به أحد من خلقه"([22])
ومعنى ذلك: إفراد الله -تعالى- بالعبادة جميعها فلا يصرف شيء من أنواع العبادة أبداً لغير الله بل نصرفها جميعها إلى الله وحده، فلا نقدم النذور والذبائح إلا لله ولا نطوف إلا ببيته الحرام، ولا ندعو إلا إياه، ولا نخاف إلا منه ولا نرجو سواه ولا نرغب ولا نرهب إلا لما في يديه الكريمتين جل في علاه، كما أننا لا نصلي إلا لله، ولا نصوم إلا له، ولا نزكي إلا له، ولا نحج إلا إلى بيته، فهذه وهذه كلها عبادات لا ينبغي أن يتقرب بها إلا إليه وحده.
وإذ أردنا أن نفهم التوحيد ـ أيها الكرام ـ فلابد أن ننظر إليه من زواياه الثلاث التي قامت عليها أدلة القرآن والسنة ألا وهي أقسام التوحيد.
الأول: توحيد الربوبية بمعنى أن نعتقد أن الله هو ربنا، ومعنى ذلك أنه الخالق، فلا خالق غيره،وأنه الرازق فلا رازق سواه، وأنه المدبر لأمورنا المتصرف في جميع أحوالنا فلا متصرف فيها إلا هو، قال عز شأنه "الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل"، والحمد لله أن أحداً من الخلق كلهم لم يدع أنه خلق شيئاً ولذلك بقي التحدي إلى اليوم قائماً: "أم خلقوا من غير شيء؟ أم هم الخالقون؟ أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون؟" لا يحير المشركون ولا الموحدون إلا جواباً واحداً، وهو: الله كما قال سبحانه: "ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله".
فالله هو الخالق لا خالق غيره، وهو كذلك الرازق لا رازق سواه (قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار)، الله هو الرازق، قال -تعالى-: "إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين".
ولذلك تطلب كل الحوائج منه -عز وجل-.
لا تسألن بُنَيَّ آدم حاجة          وسل الذي أبوابه لا تحجب.
الله يغضب إن تركت سؤاله       وبني آدم حين يسأل يغضب.
إذا سألت فاسأل الله.
ثانياً: من معاني الربوبية: المَلِكُ لكل ما في هذا الكون هو الله، فالكون كله من سمائه إلى أرضه ومن عرشه إلى فرشه بما فيه ومن فيه ملك لله وحده، فالملك كله لله والكون كله لله والخلق كله لله، قال -تعالى-: "قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل أفلا تذكرون قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم، سيقولون لله قل أفلا تتقون قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون سيقولون لله قل فأنى تسحرون".
وقال -تعالى-: "ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير.
ثالثاً: من معاني الربوبية السيادة والأمر والنهي وحق الطاعة على جميع الخلق قال سبحانه: "ألا له الخلق والأمر"، فجمع سبحانه بين الخلق والأمر فدل على أنه كما خلق فهو الذي يأمر عباده ويشرع لهم ما يشاء، وعليهم طاعته في ذلك كله.
هذا هو توحيد الربوبية، وهو الزاوية الأولى التي بها يستقر بناء التوحيد في قلب المؤمن وبه يستيقن العبد أن الخلق لله والملك لله والرزق بيد الله والنفع والضر والإحياء والإماتة والتصريف بحوله وقوته وحده، فيستقر الفؤاد ويرتاح الضمير لأن المستقبل بين يدي عدل رحيم ورءوف كريم، فلا يخاف من جور ولا يخشى من ظلم فلو تأمل العبد هذا التوحيد لسجد قلبه للعزيز الحميد سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة.
والزاوية الثانية من زوايا التوحيد - أيها الأحبة ـ هي توحيد الألوهية ومعناه إفراد الله -تعالى- بالعبادة بأن لا يعبد المرء إلا الله -سبحانه وتعالى-، لا يصلي ولا يدعو ولا يذبح ولا ينذر ولا يحج ولا يعتمر ولا يتصدق ولا يتقرب بأي قربة إلا لله -عز وجل-، يبتغي بذلك وجه الله وترك عبادة ما سواه، وانتبهوا إلى هذا الشرط أيها الإخوة فإن التوحيد ليس إثبات الألوهية لله فقط بل لابد من إثبات الوحدانية بمعنى إثبات العبادة لله ونفيها عمن سواه، فلابد من الكفر بكل الآلهة والأنداد والأصنام والأحجار والأشجار والقبور والأضرحة، كما قال ربنا سبحانه في كتابه: "فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى"، هل تدري أيها الحبيب ما هي العروة الوثقى لقد قرأنا هذه الكلمة كثيرا لكن القليل هم الذين تساءلوا عن معناها فاسمع إذا: العروة الوثقى هي لا إله إلا الله، ومعنى هذه الكلمة الطيبة: الكفر بالطواغيت أجمعها والإيمان بالله وحده فاشترط الله الكفر بالطاغوت مع الإيمان به ليكون العبد موحداً.
فعلم أن التوحيد خلع كل الآلهة والكفر بهم وإثبات الوحدانية لله فقط وأنه لا إله إلا هو ولذلك علم كل نبي ورسول قومه ذلك كما قال عز من قائل: "ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت"، ولاحظوا أيها الإخوة أنه سبحانه قال واجتنبوا الطاغوت، ما قال: اتركوا عبادة الطاغوت بل قال: اجتنبوا لأنها أبلغ يعني اتركوا كل الوسائل التي توصل إلى الشرك واجتنبوا الطاغوت.
وما هو الطاغوت؟ الطاغوت يطلق ويراد به الشيطان - لعنه الله - وهو رأس الطواغيت، ويطلق ويراد به الساحر والكاهن، ويطلق ويراد به الحاكم بغير ما أنزل الله، والذي يأمر الناس باتباعه في غير طاعة الله فالطاغوت ـ كما يقول شيخ الإسلام ابن القيم -رحمه الله- ـ هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع([23]) في غير طاعة الله فهو طاغوت.
فالله أمرنا بعبادته واجتناب الطواغيت التي تعبد من دونه -عز وجل-.
ما في الوجود سواك رب يعبد    كلا ولا مولي هناك فيقصد
أنت الإله الواحد الحق الذي     كل الجباه له تخر وتسجد
فالزاوية الأولى من زوايا بناء التوحيد المبارك في قلب العبد المؤمن الزاوية الأولى: توحيد الربوبية، الزاوية الثانية: توحيد الألوهية، الزاوية الثالثة: الإيمان بأسماء الله التي سمى بها نفسه وسماه بها رسوله وبصفات الله التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله –صلى الله عليه وسلم-.
كما قال سبحانه: "ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون"، فيجب علينا أن نعرف أسماء الله وصفاته وأن نؤمن بها  كما يجب علينا تنزيه الله -تعالى- عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم فليس معنى الاتفاق في الاسم الاتفاق في الحقيقة حاشا وكلا، فالله هو الله، الرب هو الرب والعبد هو العبد سبحان ربي لا يشبهه شيء من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته جل عن النظير والشبيه والمثيل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير, هو المحمود والمدعو والمرجو والمعبود.
يَسْأَلُهُ مَن فِي السموات وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ: إذا اضطرب البحرُ، وهاج الموجُ، وهبَّتِ الريحُ، نادى أصحابُ السفينةِ: يا الله.
إذا ضلَّ الحادي في الصحراءِ ومال الركبُ عن الطريقِ، وحارتِ القافلةُ في السيرِ، نادوا: يا الله.
إذا وقعت المصيبةُ، وحلّتِ النكبةُ وجثمتِ الكارثةُ، نادى المصابُ المنكوبُ: يا الله.
إذا أُوصدتِ الأبوابُ أمام الطالبين، وأُسدِلتِ الستورُ في وجوهِ السائلين، صاحوا: يا الله.
إذا بارتِ الحيلُ وضاقتِ السُّبُلُ وانتهتِ الآمالُ وتقطَّعتِ الحبالُ، نادوا: يا الله.
إذا ضاقتْ عليك الأرضُ بما رحُبتْ وضاقتْ عليك نفسُك بما حملتْ، فاهتفْ: يا الله.
إليه يصعدُ الكلِمُ الطيبُ، والدعاءُ الخالصُ، والهاتفُ الصَّادقُ، والدَّمعُ البريءُ، والتفجُّع الوالِهُ.
إليه تُمدُّ الأكُفُّ في الأسْحارِ، والأيادي في الحاجات، والأعينُ في الملمَّاتِ، والأسئلةُ في الحوادث.
باسمهِ تشدو الألسنُ وتستغيثُ وتلهجُ وتنادي،وبذكرهِ تطمئنُّ القلوبُ وتسكنُ الأرواحُ، وتهدأُ المشاعر وتبردُ الأعصابُ، ويثوبُ الرُّشْدُ، ويستقرُّ اليقينُ، ? اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ?
الله: أحسنُ الأسماءِ وأجملُ الحروفِ، وأصدقُ العباراتِ، وأثمنُ الكلماتِ، ? هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً ?؟!
اللهُ: فإذا الغنى والبقاءُ، والقوةُ والنُّصرةُ، والعزُّ والقدرةُ والحِكْمَةُ، ? لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ ?.
الله: فإذا اللطفُ والعنايةُ، والغوْثُ والمددُ، والوُدُّ والإحسان، ? وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ?.
الله: ذو الجلالِ والعظمةِ، والهيبةِ والجبروتِ. ([24])
الله
تسبحه نغمات الطيور * * * يسبحه الظل تحت الشجر
يسبحه النبع بين المروج * * * وبين الفروع وبين الثمر
يسبحه النور بين الغصون * * * يسبحه المساء وضوء القمر

الله
الشمس والبدر من أنوار حكمته * * * والبر والبحر فيض من عطاياه
الطير سبحه والوحش مجده * * * والموج كبره والحوت ناجاه
والنمل تحت الصخور الصم قدسه * * * والنحل يهتف حمدا في خلاياه
الله!
إليك وإلاَّ لا تُشَدُّ الركائبُ      ومنك وإلا فالمؤمِّل خائبُ
وفيك وإلا فالغرامُ مضيَّعٌ      وعنك وإلا فالمحدِّثُ كاذبُ
هذا هو التوحيد أيها الإخوة كما ينبغي أن نعرفه وكما يجب على كل مسلم ومسلمة أن يتعلمه وهو الصراط المستقيم الذي أمرنا ربنا بالمسير عليه والالتزام به والتمسك به حتى نقدم عليه ونلقاه وهذا هو عنصرنا الرابع من عناصر اللقاء وخاتمة لابد منها:
كيف نحقق التوحيد في الواقع ؟
وسنتعرف إلى جواب هذا السؤال الجليل بعد جلسة الاستراحة بمشيئة الله وأستغفر الله لي ولكم.






الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأغنى وأقنى، وجعلنا من خير أمة تأمر وتنهى، والصلاة والسلام على خير الورى، وما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى.
أما بعد أيها الإخوة!
قال سبحانه في آيات الوصية: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون، وأمرنا الله -تعالى- بلزوم الصراط المستقيم في غير هذه الآية من القرآن كثير، فما هو الصراط المستقيم وكيف نتبعه ؟ خاصة وأنه من الأهمية بالمكان والمكانة التي بها يهلك العبد إن حاد عنه ويهتدي إن اتبعه وسلكه روى أحمد بسند صحيح من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: خط رسول الله –صلى الله عليه وسلم- خطاً بيده، ثم قال: هذا سبيل الله مستقيماً، ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط وعن شماله: ثم قال: وهذه السبل ليس منها سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ وأن هذا صراطي مستقيمًا...... الآية ([25])، وقال رجل لابن مسعود: ما الصراط المستقيم؟ قال: تركنا محمد –صلى الله عليه وسلم- في أدناه وطرفه في الجنة وعن يمينه جواد (أي طرق) وعن يساره جواد، ثم رجال يدعون من قربهم، فمن أخذ في تلك الجواد انتهى به إلى النار، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة.
فما هو الصراط المستقيم أيها الإخوة ؟
قال العلامة ابن القيم: الصراط المستقيم هو الطريق الذي نصب الله لعباده موصلاً إليه، ولا طريق إليه سواه بل الطرق كلها مسدودة على الخلق إلا طريقه الذي نصبه على ألسن رسله وجعله موصلا لعباده إليه، وهو إفراده سبحانه بالعبودية، وإفراد رسوله صلى الله عليه وسلم بالطاعة فلا يشرك به أحداً في عبوديته، ولا يشرك برسوله –صلى الله عليه وسلم- أحداً في طاعته، فيجرد التوحيد لله ويجرد المتابعة لرسوله –صلى الله عليه وسلم- وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله".([26])
ثم يقول ابن القيم: "إن السعادة والفلاح كله مجموع في شيئين صدق محبة الله وحسن معاملته وهذا كله مضمون شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأي شيء فسر به الصراط فهو داخل في هذين الأصلين ونكتة ذلك وعقده أن تحبه بقلبك كله وترضيه بجهدك كله فلا يكون في قلبك موضع إلا معمور بحبه ولا تكون لك إرادة إلا متعلقة بمرضاته
 الأول يحصل بالتحقيق بشهادة أن لا إله إلا الله
والثاني يحصل بالتحقيق بشهادة أن محمدا رسول الله وهذا هو الهدى ودين الحق وهو معرفة الحق والعمل له وهو معرفة ما بعث الله به رسله والقيام به"."([27])
أيها الإخوة: فإذا كان هذا هو التوحيد وهذه مكانته ومنزلته وهذا معناه فكيف نطبق التوحيد في حياتنا وواقعنا ؟ هذا هو لب الحديث وأصله، فليس التوحيد كلمات فحسب بل هو واقع وليس عبارات فقط بل هو حركة، وليس منهجاً نظرياً بل هو حياة قولاً وفعلاً واعتقاداً فمن أراد أن يحقق التوحيد في حياته وواقعه، فليصف توحيده من الشرك الأكبر والأصغر ومن البدع والمعاصي وإن وقع في شيء من ذلك تداركه بالأوبة والرجوع إلى الله.
من فعل هذا فقد حقق التوحيد واستحق فضل التوحيد وهو عظيم جليل وسوف نتحدث في اللقاء القادم عن فضل التوحيد إن قدر الله لنا اللقاء والبقاء نسأل الله أن يدلنا عليه ويعلمنا ما به يقر في قلوبنا تعظيمه, اللهم إنا نسألك توفيق أهل الهدى وأعمال أهل اليقين ومناصحة أهل التوبة وعزم أهل الصبر وجد أهل الخشية وطلب أهل الرغبة وتعبد أهل الورع وعرفان أهل العلم حتى نخافك، اللهم إنا نسألك مخافة تحجزنا عن معاصيك حتى نعمل بطاعتك عملاً نستحق به رضاك وحتى نناصحك بالتوبة خوفاً منك وحتى نخلص لك النصيحة حباً لك وحتى نتوكل عليك في الأمور حسن ظن بك سبحان خالق النار اللهم فاجعلْ مكان اللوعة سلْوة، وجزاء الحزنِ سروراً، وعند الخوفِ أمنْاً. اللهم أبردْ لاعِج القلبِ بثلجِ اليقينِ، وأطفئْ جمْر الأرواحِ بماءِ الإيمانِ.
يا ربّ، ألق على العيونِ السَّاهرةِ نُعاساً أمنةً منك، وعلى النفوسِ المضْطربةِ سكينة، وأثبْها فتحاً قريباً. يا ربُّ اهدِ حيارى البصائرْ إلى نورِكْ، وضُلاَّل المناهجِ إلى صراطكْ، والزائغين عن السبيل إلى هداك.
اللهم أزل الوساوس بفجْر صادقٍ من النور، وأزهقْ باطل الضَّمائرِ بفيْلقٍ من الحقِّ، وردَّ كيد الشيطانِ بمددٍ من جنودِ عوْنِك مُسوِّمين. اللهم أذهبْ عنَّا الحزن، وأزلْ عنا الهمَّ، واطردْ من نفوسنِا القلق.
نعوذُ بك من الخوْفِ إلا منْك، والركونِ إلا إليك، والتوكلِ إلا عليك، والسؤالِ إلا منك، والاستعانِة إلا بك، أنت وليُّنا، نعم المولى ونعم النصير([28])..... الدعاء.       




([1]) أخرجه مالك في الموطأ رواية محمد بن الحسن (504, 951)، والترمذي 3585, والطبراني في الدعاء (874), وحسنه الألباني في الصحيحة 1503.
([2]) أخرجه مسلم 6472.
([3]) أخرجه أحمد (16066), وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 6/ 22: رجاله رجال الصحيح. اهـ, وقال شعيب الأرنؤوط: صحيح لغيره وهذا إسناد حسن عبد الرحمن بن أبي الزناد ينزل عن رتبة الصحيح وباقي رجاله ثقات رجال الصحيح.
([4]) أخرجه البخارى 3624.
([5]) انظر تخريج فقه السيرة ص 456, للألباني.
([6]) أخرجه مسلم (1297) من حديث جابر رضي الله عنه.
([7]) أخرجه البخاري 1344, وانظر في تفصيل ذلك: الرحيق المختوم (469) وما بعدها، المباركفوري.
([8]) أخرجه البخاري 114.
([9]) فتح الباري (1 / 182).
([10]) أخرجه الترمذي (3070).
([11]) المستدرك (2/317).
([12]) أخرجه الحاكم في المستدرك (2/318) ثم قال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه.
([13])المحرر الوجيز - (2 / 493).
([14]) تفسير الطبري - (12 / 220).
([15])  القول المفيد (1/ 25).
([16]) تيسير الكريم الرحمن (273).
([17]) أخرجه البخاري 1458, ومسلم 132.
([18]) تفسير ابن كثير - (7 / 425).
([19]) أخرجه البخاري 2856, ومسلم 153.
([20]) نور التوحيد وظلمات الشرك للقحطاني (ص6), وانظر: المفهم لِمَا أشكل من تلخيص كتاب مسلم، للقرطبي، 1/203، وشرح النووي على صحيح مسلم، 1/345 ومجموع فتاوى ابن تيمية، 1/213.
([21]) القول السديد في مقاصد التوحيد، للسعدي، ص18.
([22]) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، للسعدي، ص60.
([23]) إعلام الموقعين (1/50).
([24]) لا تحزن (ص 14).
([25]) أخرجه أحمد 4225, وابن ماجه 11, والحاكم (2/318), وصححه الألباني ظلال الجنة (16).
([26]) بدائع الفوائد - (2 / 276).
([27]) بدائع الفوائد - (2 / 276).
([28])  لا تحزن (ص 33).